2017-09-11

جذور الحركة الشعرية والنثرية وتطوراتها في الداخل الفلسطيني..!

بقلم: شاكر فريد حسن

بعد النكبة الفلسطينية العام ١٩٤٨تشكلت لدينا حركة أدبية ملتزمة ومقاومة، استطاعت ان تبسق وتزهر وتثمر، وليس أدل على ذلك من أدب المقاومة، والشعر الخطابي الحماسي الذي شاع في تلك الفترة التاريخية من حياة جماهيرنا العربية الفلسطينية، ولا ننسى قصيدة محمود درويش النارية "سجل أنا عربي" التي كانت بمثابة الشرارة التي انتشر لهيبها داخل وخارج الأسوار ما حدا بمحمود الى اطلاق صرخته الشهيرة "انقذونا من عذا الحب القاسي".

وكان هذا الأدب ينبض بما يعتلج في انفسنا، ووفرته في الواقع كان دليل صحة وعافية لشعرائنا ولمجتمعنا وجماهيرنا، التي عانت من الحكم العسكري البغيض ابان تلك المرحلة القاسية والصعبة.

واذا كانت حركتنا الادبية والثقافية شهدت ازدهاراً للشعر والقصيدة الحماسية المتفائلة، التي رافقت شعبنا في المهرجانات الشعبية التي كانت تقام في العديد من قرانا العربية منذ اواسط الخمسينات، واشهرها مهرجان كفر ياسيف الذي شارك فيه لفيف من شعراء الشعب والوطن والمقاومة وفي طليعتهم الشاعر راشد حسين، الذي انشد لكفر ياسيف الجليلية، التي تعتبر القلعة والنواة الوطنية لانبعاث الوعي الوطني المتوقد، والوعي السياسي والثوري، وذلك بفضل مدرستها الثانوية ونواديها الحزبية ومدرسيها الشرفاء الافاضل في مدرسة يني يني الذين كرسوا جهودهم لخدمة الوطن وبناء الانسان الفلسطيني الجديد، فزرعوا في طلاب وشباب الغد والمستقبل الروح الوطنية والقيم العليا والوعي الكفاح السياسي، افلم يقل المناضل والروائي الراحل "تكفرسوا يا عرب".

وفي هذا المهرجان القى المرحوم راشد حسين قصيدته العصماء، التي يقول مطلعها:

اليوم جئت وكلنا سجناء
فمتى أجيء وكلنا طلقاء
يا كفر ياسيف اردت لقاءنا
يا كفر ياسيف اردت لقاءنا
فتوافدت للقائك الشعراء
اسرى بهم كرم الجليل
فابتلوا فكانت ليلتهم هي الاسراء
وأنا اتيت من المثلث حاملاً
هماً له في خاطري ضوضاء
وتحية عربية من قريتي
شرقية الفاظها سمراء
يا اخوتي بكت الجراح ولم تزل
تبكي فدمع عيونهن رماد

وعلى ساحة الادب برزت أسماء شعرية عديدة، كان لها دور واسهام نهضوي ورياذي وثقافي في احياء الحركة الشعرية على جبهة الثقافة والادب في مواجهة ومقارعة سياسة الاقتلاع والنهب والتمييز والاضطهاد العتصري، ومن ابرز هذه الأسماء محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وطه محمد علي وحنا ابو حنا وسالم جبران وشكيب جهشان وحنا ابراهيم وحبيب قهوجي ونايف سليم وعصام العباسي ومحمود دسوقي وجمال قعوار وفوزي عبدالله وعمر الزعبي وفتحي فوراني، اضافة الى جورج نجيب خليل وسعود الاسدي واحمد عبد الفتاح اسدي واحمد طاهر يونس وجميل دحلان وفوزي ابو بكر وغيرهم.

وفي المقابل واجهت الحركة الثقافية والادبية نقصاً في الكتابة القصصية والمقالة النقدية والادبية والبحث الأدبي، رغم بعض الاجتهادات الفردية، والسبب يعود الى ان القصيدة تحتاج الى الموهبة واللغة وامتلاك الادوات الفنية، بينما الكتابة الادبية النثرية فتحتاج الى دراية ودراسة وتعمق، فيما بحتاج البحث الادبي الاكاديمي الى جهد ومسؤولية.

وكانت سنوات الخمسين تتوكأ وتعتمد على بعض الاقلام النشيطة وغير المتخصصة التي مارست كتابة الثصة والمقالة الادبية والتقدية، بالاضافة الى تشاطها الحزبي والسياسي، امثال اميل توما واميل حبيبي وتوفيق طوبي وصليبا خميس وجمال موسى وغسان حبيب وعلي عاشور ومحمد خاص ونمر مرقس، وفي موحلة متقدمة احمد سعد، الذين حاولوا توجيه الأدباء من منطلق حزبي وفكري وسياسي.

وفي أواخر الخمسينات واوانل الستينات بدأنا نشهد تحولاً جديداً وولادة جديدة لمواهب أدبية تبشر بالآتي والقادم.

فبرز في مجالة الأدبية والسياسية الشاعر المرحوم راشد حسين في مجلة "الفجر" التي كان يصدرها حزب "مبام"، وكان يعمل فيها ويشرف على تحريرها، وفي المقالة التقدية اميل توما وعيسى لوباني وجبرا نقولا في مجلة "الجديد" رحمها الله.

وفي هذه الفترة بدأ التأسيس للقصة الواقعية في حركتنا الادبية باعلامها توفيق فياض وتوفيق زياد ومصطفى مرار وزكي دروبش ونجوى قعوار فرح ومحمد علي طه ومحمد نفاع واحمد حسين ومحمود عباسي وتوفيق معمر وسليم خوري ونجيب سوسان ومصطفى مرار ونبيل عودة ومحمد وتد وسواهم.

ومع مرور الأيام اضحت حركة النثر تنافس الشعر، وشهدنا تقدماً ملموساً ومحسوساً في الكتابات القصصية والروائية والمقالة الادبية والنقدية والدراسات والابحاث الادبية والفكرية.

وأخدت تلمع في مجال الشعر نجوم جديدة اثبتت جدارتها وفرضت نفسها وحضورها في المشهد الابداعي اللثقافي تستحق الاهتمام والدراسة، ادمون شحادة فهد ابو خضرة وشفيق حبيب وفاروق مواسي ونواف عبد حسن ونزيه خير وبطرس دلة وسلمان ناطور ونبيه القاسم ويعقوب حجازي ونعيم عرايدي وسميح صباغ وحسين مهنا وعفيف صلاح سالم وحبيب بولس ومفلح طبعوني وحمزة نجيب بشير وسيمون عيلوطي، ومحمد نجم الناشف وسعاد قرمان وسليم مخولي ومرشد خلايلة واحمد كيوان ونمر محمد نمر ومصطفى جمال ومنيب مخول ومنعم حداد وابراهيم مالك ومحمود ابو رجب ومحمد علي سعيد وعبد الرحيم شيخ يوسف  وعبد الرازق ابو راس وغيرهم.

وبعد هؤلاء جاء جيل أدبي آخر في مجالات متعددة ومتنوعة  نذكر منهم محمود غنايم ومحمد حمزة غنايم ورياض بيدس وهايل عساقلة وفاطمة ذياب وانطوان شلحت وفتحي القاسم وناجي ظاهر ومحمود ابو رجب وسهام داود ونزيه حسون وشوقية عروق منصور وسليمان دغش وتركي عامر وسلمان مصالحة وعبد الرحمن عواودة وهيام قبلان واسامة محمد محاميد وعبد الحكيم سمارة ومفيد قويقس وابراهيم عمار وغسان الحاج يحيى ومفيد صيداوي وشاكر فريد حسن وياسين حسن وزهير دعيم ونداء خوري وسهيل كيوان ومعين شلبية وسامر خير وفريد غانم  ويعقوب احمد وحاتم جوعية ويوسف جمال وابراهيم حجازي وعبد الحي اغبارية ومجيد حسيسي وفهيم ابو ركن ومعين حاطوم وزياد شاهين ووهيب نديم وهبة وهادي زاهر وامين خير الدين ومفيد مهنا  ومنيب فهد الحاج ونور عامر وعفيف شليوط وزياد شليوط واسمهان خلايلة وكاظم مواسي وبيان غضبان وفائقة دقة وإيمن كامل ونسرين ايراني وامال رضوان عواد وهيام ابو الزلف وسوزان دبيني  وايمان مصاروة وفوزات حمدان وعدلة شداد خشيبون وزياد محاميد وعمر محاميد ورايقة صرصور وجريس دبيات وعايدة نصرالله وسهيل قبلان واحمد طه وسلمى صباغ وسامي ادريس وكمال حسين ويوسف جمال  ويوسف مفلح الياس واحمد ابو صالح وتغريد حبيب ودوريس خوري وغيرهم.

وفي اواخر التسعينات ظهرت اسماء جديدة اخرى أضاءت فضائنا الأدبي الثقافي باعمالها الادبية والشعرية والنثرية تحتاج لرصد وبحث مسنفيض واهتمام خاص، ولكن ابرز هذه النوارس والاصوات التي رفدت المشهد الادبي عندنا اذكر: عايدة خطيب ومسلم محاميد وشريف شرقية ومحمد حسني كعوش وزهدي غاوي وحسام مصالحة وصالح ابو ليل واحمد فوزي ابو بكر وسامي مهنا ومروان مخول وآمنة ابو حسين مهنا وصالح حبيب وأميمة جبارين ومها فتحي ومروان مخول ونهاية عرموش ووفاء عياشي بقاعي وبشير شلش ونمر سعدي ورانية ارشيد وطيب غنايم وعبد المحسن نعامنة ورشيد حاج عبد وريتا عودة ومعالي مصاروة ومنى ظاهر ولبنى دانيال ولميس كناعنة وحنان جبيلي عابد ومنير توما ونجاح كنعان داوود ونهاية داموني وجهينة خطيب وهيفاء مجادلة واياس ناصر وغالية ابو صلاح وركاز فاعور ونجاة نصر فواز وملكة زاهر وريم نبيل زحالقة وصفاء ابو فنه ورأفت امنه جمال وابتسام ابو واصل محاميد محمد عثمان ابو بكر وخالد مقداد وتد وغيرهم الكثير.

الحركة الأدبية، الشعرية والنثرية في هذه البلاد لم تتحرك في فضاء مهجور بل هي جزء لا يتجزأ من الحركة الأدبية العربية، وكما قال الناقد والكاتب الفلسطيني فيصل دراج "لا يمكن الحديث عن الهوية الثقافية الفلسطينية الا كوجه متميز من وجوه الهوية الثقافية العربية، وجوه مختلفة ومتكاملة تحتضن في داخلها الثقافية الفلسطينية".

ساد الحركة الادبية الثقافية المحلية تياران بارزان هما التيار الواقعي الماركسي الاشتراكي الاجتماعي الملتزم بالهموم الوطنية والقضايا السياسية والفكرية والطيقية، والتيار الرومانسي الحالم الملتصق بالطبيعة والوجدان والذات.

ما ميز هذه الحركة الادبية في بداياتها هو التصاقها بالحس الجماهيري والنبض الشعبي، وانحيازها للفقراء والعمال والكادحين، والتعبير عن قضايا الانسان والهم العام والوجع الفلسطيني، وتصوير المعاناة القهرية في ظل سياسة المؤسسة الصهيونية القائمة على القهر والكبت والتمييز والاضطهاد العنصري، فقد كان ادبياً كفاحياً وثورياً واحتجاجياً بامتياز، ادب حرية.

ولعل الجانب التطوري البارز فنياً في هذا الادب يظهر في خصائصه الفنية - اللغوية والاسلوبية والتصويرية والموسيقية، ومن حيث اللغة، ظهرت ملامح التطور والمعاصرة من خلال تفاعل لغته المعاصرة مع روح المجتمع العربي الفلسطيني، حيث احتوى على الكثير من مضامين التراث الشعبي والعادات والتقاليد الاجتماعية والنفسية الفلسطينية.

والمتتبع لمسار هذا الادب وتطوره يلحظ بشكل جلي انه تراجع عن مضامينه الثورية والنضالية الكفاحية، الا فيما ندر من نصوص، وبات التركيز على الذات النرجسية، والتغني بالوطن، ومناجاة الحبيب، ووصف الأشواق، والتعبير عن الالم النفسي الانساني، ومعانقة الطبيعة.

ورغم الظواهر السلبية والمهازل والمسخرات وعشق النفس والذات وصناعة الشعراء، التي راققت حركتنا الادبية في السنوات الاخيرة، تبقى هذه الحركة راسخة كالرواسي، وكم نحتاج الى تنوير ابداعي وثقافي وفكري يخرج النص من عتمته ليضعه في سكة التفكير والنقد المؤسس على العقل، وليس التهويمات ورصف الكلمات وصف الحروف.

* -- - shaker.fh@hotmail.com