2018-04-03

فوانيس سليم المضيئة..!

بقلم: عمر حلمي الغول

ما بين الإضاءة والفوانيس التسعة عشر عشرون إضاءة أشعلها الشاعر والروائي سليم النفار في روايته الأولى "فوانيس المخيم" الصادرة عن مكتبة كل شيء مطلع العام الحالي 2018، وحمل غلافها لوحة للفنان التشكيلي فايز السرساوي. وأبحر الروائي بين دفتي روايته على مساحة 210 صفحات من القطع المتوسط، قص فيها فصلا من حياته الشخصية، عاش تفاصيله بين أزقة مخيم الرمل في الشمال الغربي السوري إلى جانب مدينة اللاذقية الساحلية. الذي ترعرع فيه، وعاش حكايا ومواجع ابناء جلدته من اللاجئين الفلسطينيين، الذين سكنهم حتى النخاع قنديل العودة، ولم يبارحهم لحظة، حتى في أشد لحظات التعثر والتراجع والخيبات، التي عكستها أم علي، وهي تتحدث عن الفرق بين المناضلين والقيادات، وإن كان جمعها بين الكل، ودون تمييز فيه غبن. ثم إنتقاله لبيروت وما حمله ذلك من إضافة نوعية لتجربته في النضال الوطني، ومحاولته تبين الخيط الأبيض من الأسود في مسيرة علاقاته بالآخرين في دوائر الزمان والمكان المختلفة.

الرواية الأولى للشاعر المتقد سليم النفار جالت في حكايا ابو صابر وأم صابر ( وهما نموذجا لإبطال الرواية، لاسيما وان كل إنسان ورد في الرواية، ساهم بدور البطولة، فكانت البطولة جماعية لإبناء المخيم) وإفلوكته ، التي جاء بها من يافا لاجئا إلى مخيم الرمل، وحرص المحافظة عليها وصيانتها كل عام دون الإبحار فيها، لإنه نذر ان لا يستخدمها ثانية إلآ لطريق العودة ليافا ثانية. غير ان نشوب الحرب الأهلية في لبنان والتدخل السوري لجانب القوى الإنعزالية، دفع كل من محمود وعلي بعد تشييع أخوة محمود الشهيدين، اللذين شاركا في معارك الدفاع عن الثورة في لبنان، وحماسهما لعكس ايمانهما وخيارهما بالإنتماء للثورة. لا سيما وانهما كانا إنتميا لفصائل الثورة في المخيم، وإنطلاقا من رسوخ القناعة عندهما، وعند جميع ابناء المخيمات والشعب العربي الفلسطيني بوحدة الحال الوطني والقومي، إنسلا من بين الجموع الحاشدة والمودعة للشهيدين وبرفقتهما سوسن حبيبة خالد، التي غادرت المخيم بطريقة مغايرة لهما حتى وصلت لبيروت، وهما قاما بخطف حلم ابو صابر، وركبا الفلوكة الرابضة على الشاطىء بإنتظار ساعة العودة وتوجها لبيروت، وحين علم أبو صابر بعد ثلاثة سنوات طوال عمن ركب البحر بافلوكته لم يزعل، لإنهما محمود وعلي أمخرا عباب البحر من اللاذقية إلى شواطىء الأوزاعي في بيروت لهدف نبيل، هو الإلتحاق بالثورة والدفاع عنها.

وعلي هو ابن الشهيد مصطفى، الذي إضطر مع عائلته، التي كانت تقيم في حي العجمي في يافا قبل النكبة 1948 للجوء لمخيم الشاطىء في قطاع غزة، ثم ابعدته سلطات الإستعمار الإسرائيلي لخارج الوطن، فحط رحاله في بيروت ثم إختار اللجوء لمخيم الرمل في سوريا، وواصل مشوار الكفاح ضد المستعمرين الإسرائيليين إلى ان وافته المنية باكرا قبل ان يحقق حلم العودة. وترك زوجته وحبيبته ليلى مع اطفالها الأيتام يكابدون مرارة الحياة، ورفضت ليلى الزواج من رجل آخر حرصا على ابنائها، ووفاءا لمصطفى الشهيد، وغذت فيهم روح الإنتماء للوطن والثورة، رغم انها مارست النقد اللاذع لقيادة الثورة نتيجة الأخطاء والسلوكيات غير الإيجابية لبعضهم.

خيوط الرواية متشابكة أولا بين اللجوء وحق العودة، وبين الأجيال العمرية المختلفة، حيث رضع الأطفال والفتيان حليب الحقوق الوطنية في فلسطين وطنهم الأم، التي طرد اباءهم وأمهاتهم منها،وهذا عكسه جيل الشباب محمود وخالد وسوسن وعلي وعبدالله وفاطمة وفضل العكاوي وغيرهم؛ ثانيا بين صعوبات الحياة والأمل بالمستقبل؛ ثالثا ربط العاطفة والحب بالثورة والإنتماء للفصائل الوطنية، كما قصة خالد وسوسن؛ رابعا تنامي دور المرأة في الثورة؛ خامسا الإستياء والغبن من طريقة عمل بعض القيادات المترفة لم يَّحلْ دون الإنتماء للثورة؛ سادسا الغضب والرفض لخيار وسياسات الأنظمة العربية، نموذجا النظام السوري وعسسه، لم يؤثر على العلاقة بين الشعبين الشقيقين، ولا مع اي شعب من شعوب الأمة العربية، بل العكس صحيح، وإنعكس ذلك في الرواية في أنسباء سمير، وجد فضل السوري اللاذقاني، أضف لذلك إنتماء المئات والألاف من ابناء شعوب الأمة العربية للثورة، وتبوأهم مواقع قيادية دون تمييز بين عربي وفلسطيني إلآ بالإنتماء للثورة والدفاع عنها، وسقوط الشهداء جنبا إلى جنب مع أشقائهم الفلسطينيين في المعارك المختلفة، لإنهم إعتبروا الثورة ثورتهم، وإنتصارها إنتصار لقضاياهم، والعكس صحيح.

الرواية حاكت فصل من فصول حياة علي (سليم)، لكنها لامست روح كل فلسطيني وعربي عاش مع الثورة. ولكن خانت الدقة الروائي الحديث إختيار عناوين فصول أو أقسام روايته، فجميعها، وعددها 19 فصلا أو مقطعا بدأها بالفانوس، وحتى إستخدم مجازا "الفوانيس الذابلة"، وعلى اهمية إستحضار الفوانيس كنقطة ضوء في حياة الفلسطيني، والتسلح بحق العودة، إلآ ان المبالغة في إستخدامها أضعف حضورها في الرواية، وأصاب القارىء بنوع من عدم الإرتياح. أضف إلى ان الرواية بحاجة لبعض الجوانب الفنية، لكن رسالتها الأساسية وصلت، وهي رواية مشوقة كونها ربطت بين التراجيديا المأساوية وبين الدراما العاطفية، وبين التاريخ والجغرافيا، بين الزمان والمكان، وبين الأجيال المتعاقبة ووحدة الحال الفلسطينية ومواصلة مشوار الكفاح التحرري حتى تحقيق الأهداف الوطنية جميعها وفي طليعتها هدف العودة، الذي لا يموت بالتقادم.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com