2020-07-06

في الذكرى الثامنة لرحيله.. "قرويات" حبيب بولس بين الحنين والجذور

بقلم: نبيل عودة

مدخل: تحل هذه الايام ذكرى رحيل الشخصية الثقافية الفلسطينية، الناقد الدكتور حبيب بولس الذي رحل عنا في (04-07-2012) وهو في قمة عطائه الثقافي. كان من الصعب التصديق ان حبيب قد رحل، رغم معرفتنا بمرضه العضال الذي لم يمهله طويلا. كنا نحلم ان نراه يعود الى كامل نشاطه الثقافي والنقدي في رصد حركتنا الثقافية ومتابعة الإبداعات الأدبية المحلية بقلمه الناصع والمسؤول والجاد.

تنوعت الإصدارات الثقافية والتعليمية والسياسية للناقد والمحاضر الجامعي حبيب بولس، ومن أبرز مؤلفاته، "انطولوجيا القصة العربية الفلسطينية المحلية القصيرة" وعشرات الكتب النقدية حول الشعر والقصة والمسرح والكتب الثقافية والتعليمية والسياسية المختلفة التي أصدرها خلال مسيرة حياته، ومن بينها كتابه الرائع "قرويات" الذي يمكن تصنيفه بين الأعمال البارزة والهامة في ثقافتنا الفلسطينية بمضمونه المميز.

أصدر حبيب بولس كتباً نقدية تناولت مجمل النشاط الإبداعي للأدباء العرب في إسرائيل، الى جانب مراجعات ونقد للنشاط المسرحي، عدا كتب تعليمية مختلفة، ونشر كتابين عن قضايا اجتماعية وسياسية ملحة.

اعتنق حبيب الفكر الماركسي الذي أثر على اتجاهه النقدي ولكنه الى جانب الفكر الماركسي كان يتمتع بحس لغوي، ثقافي وذوقي مرتفع جدا، ولم يلتزم بالمفاهيم الدوغماتية للفكر الماركسي، كما برز ذلك بالجدانوفية (جدانوف كان قوميسارا للثقافة في فترة ستالين، وكانت رؤيته للثقافة لا ثقافية اطلاقا) بل كان لذوقه الشخصي دورا كبيرا ومتزايدا في تقييماته النقدية.

بعض مقالاته أثارت ضجيجا كبيرا، اذ طرح فيها ظواهر سلبية انتقدها بحدة وسخرية، ولم يشملها حبيب في كتبه. نُشرت تلك المقالات في جريدة الأهالي (2000 – 2005) التي كنت نائبا لرئيس تحريرها الكاتب والشاعر المرحوم سالم جبران، الذي قال عنه حبيب انه كان وراء تحوله الى النقد، اذ رصد قدرات حبيب النقدية وحثه على الانخراط في النقد. قال لي حبيب مرات عديدة انه ناقد بفضل "المعلم سالم جبران" كما كان يصفه حبيب.

*****

الكتاب: قرويات (نوستالجيا / حنين)
المؤلف: الدكتور حبيب بولس


*المفارقات بين واقعنا وبين ماضينا" هذا ما يتجلى للوهلة الاولى امام قارئ كتاب "قرويات" للدكتور حبيب بولس*

الابحار مع نص "قرويات" يكشف لنا نوسطالجيا غير عادية عايشها حبيب بولس في قروياته، مسجلاً تفاصيل بدأت تختفي من اجواء قرانا ومدننا العربية، من علاقاتنا وممارساتنا اليومية، من شوارعنا وبيوتنا، من العابنا وتسالينا، ومن وسائل تنقلنا، من مدارسنا، من معلمينا، من افراحنا واتراحنا، من مفاهيمنا السياسية ووطنيتنا، من مواسمنا وسهراتنا، من أعيادنا وعقائدنا الدينية، من ثقافتنا وفنوننا ونضالاتنا.

التغيير الذي يرصده حبيب كان اعمق من الشكل، لدرجة انه شكل لنا مضامين جديدة، افكاراً جديدة، رؤية سياسية جديدة، ثقافة جديدة، اطعمة جديدة، بل ولغة جديدة ايضاً في مفهوم معين. كأني به يرصد التاريخ والعوامل "التاريخية" والثقافية التي غيرت مسقط رأسة، قريته الجليلية "كفرياسيف" بشكل خاص وغيرت واقع بلداتنا كلها بشكل عام  وغيرتنا نحن (الناس) في الحساب الأخير.

الى حد ما تذكرني "قرويات" حبيب بولس بكتاب للروائي السعودي عبد الرحمن منيف عن مدينة "عمان".. حيث يعود بذاكرته الى عمان في سنوات العشرين من القرن الماضي ليعيد تشكيلها. حبيب في قروياته يرسم "لوحة نثرية" ان صح هذا التعبير، لقرية علم من قرانا، كانت علماً سياسياً وعلماً ثقافياً، وهو بذلك يضيف لها بعداً جديداً، علماً تراثياً اصيلاً، وربما يريد ان يقول لنا ان هذه الاصالة التي عرفتها كفر ياسيف، هي اصالة دائمة لا تنتهي، انما تتحول وتنطلق نحو اصالات جديدة دوماً. حبيب في قروياته يريد ان يقول لكل واحد منا ان في داخله اصالة حقيقية، يجب ان يخرجها من داخله ويورثها لأبنائه. وهذا بالضبط ما يفعله حبيب بولس، وهو بالطبع يختار ابنه،  ليورثه اصالة اجداده وأصالة قريته، وأصالة شعبه.. يختار ابنه ليورثه أهم ما يملكه الانسان في حياته، ذاكرته الخصبة.. وليملأه بالكرامة وعزة النفس، مقدما نموذجاً شخصياً، استفزازيا لكل واحد منا، ولكنه استفزاز طيب وانساني، يحثنا بسياقه على الكشف عن جذورنا الاصيلة، عن نقاوتنا، عن قيمنا المغروزة بأعماقنا الانسانية، عنى جوهرنا الطيب الذي كان العنصر الحاسم في صيانة شخصيتنا الوطنية والانسانية امام ما يجري في مجتمعنا من ردة حضارية، وتعصبات قبلية وسياسية ودينية حمقاء، هذه هي المفارقة الاخرى التي يصدمنا بها حبيب في كشفه عن جوهر اللؤلؤة المكنونة كفر ياسيف، بصفتها نموذجا وطريقا وتاريخا.

هذا النص الادبي يتجاوز الكتابة التسجيلية التاريخية، ويقترب من النص الثقافي الحكائي، البطل فيه هي قرية كفر ياسيف واهلها، والهدف حفظ الذاكرة الجماعية لكفرياسيف، ولعلها الخطوة الاولى لبدء حفظ ذاكرة شعبنا الجماعية  في كل اماكن تواجده.

"البطل" الآخر في هذا النص هو الرواي نفسه، وكأني به يعود الى الايام الخوالي، ليتقمص شخصية الراوي التي عرفتها قرانا وسهراتنا ايام زمان، وليجعل من هذه الشخصية ذاكرة للزمن ايضاً، يستعين بها الراوي- الكاتب لينقل للأجيال الجديدة، ابنه في المفهوم الضيق، وابناء كفر ياسيف، وكل ابناء شعبنا من الاجيال الناشئة في المفهوم الواسع، اصالة الماضي واصالة الانسان، واصالة الشعب وليس فقط الحنين الذاتي (النوسطالجيا). ربما هي نوستالجيا فعلا، ولكنها نوستالجيا لابناء جيلنا الذي حان الوقت ليسجلوا ذاكرتهم حفظا من الضياع.

حبيب اختار اسلوباً جيداً ليروي لنا روعة الماضي، عبر المقارنة الدائمة مع الواقع اليوم، وذلك ليعمق، ليس روعة الماضي فحسب، بل روعة الانسان الذي اجتاز المأساة الوطنية وصمد، وواجه القمع القومي بأبشع أشكاله، ولم يفقد بوصلته الانسانية.. وبدأ يبني نفسه من جديد وينطلق الى آفاق رحبة من العلوم والثقافة والتطور والصمود.

في قروياته نكتشف حبيب بولس الآخر، حبيب الحالم، نصاً ولغة، فنراه يقترب من لغة القص في سرده، ليتغلب على السرد التوثيقي والتاريخي، ونراه يستطرد في اعطاء النماذج والحكايات ليجعل قروياته اكثر قرباً للرواية والدهشة الروائية وعناصر التشويق الحكائية، وليس مجرد تسجيلا توثيقيا للذاكرة. واقول بلا وجل: هي حقاً رواية من نوعع جديد بطلتها قرية بناسها وأحداثها.

قد لا يوافقني بعض الزملاء على تصنيفي لقرويات حبيب بولس ضمن النصوص الروائية، قد يكونوا صادقين شكليا، وأقول شكليا، اذا التزمنا المفاهيم المتعارف عليها في التعريفات الأدبية. ولكن من يملك الحق في جعل التعريفات قانونا، وهل يعترف الابداع بقوننة جنونه؟

والأمر الأساسي ، هل من قيمة للتصنيف الادبي؟ وهل يضيف التصنيف لقيمة العمل؟ الا يكفي الكاتب، انه اعطى للقارىء نصاً لا يفارقه بعد طي الصفحة الاخيرة؟

حبيب في قروياته، اعطانا عملاً توفرت فيه العديد من المركبات الناجحة، اللغة اولاً، الفكرة ثانياً، والاسلوب. كتاب "قرويات" يسد فراغاً كبيراً بمضمونه المميز، وهو ليس مجرد نوسطالجيا (حنين) بل كشف عن ثراء شعبنا واصالته وعمق جذوره في هذه الارض الطيبة. ولعل قرويات يكون فاتحة لتسجيل التاريخ الشفهي، والتراث الشعبي المتوارث شفهيا، وسجل نضالنا الأسطوري الذي يملأ صفحات، اذا ما سجلت ستشكل ثروة اجتماعية سياسية ثقافية، عن بقايا شعب، لم يفقد ثقته بنفسه، واجه المستحيل وانتصر.. واجه الضياع وبنى ذاته من جديد، ليقف اليوم في مرتبة متقدمة بين الشعوب، فخورا معتزا متفائلا..

* كاتب وناقد وإعلامي يقيم في مدينة الناصرة. - nabiloudeh@gmail.com