2020-07-15

سيزيف فلسطيني جديد يرفض الحكم المفروض عليه في ديوان "سيزيف وبحار" للشاعر أسيد عيساوي

بقلم: زياد شليوط

أصدر الشاعر أسيد عيساوي، من قرية طرعان الجليلية، العام الماضي ديوانه الأول "سيزيف وبحار" (1)، بعد مسيرة عريضة في الحياة قضى جلها في المعترك السياسي. لذا من الطبيعي أن يهدي الشاعر ديوانه لزوجته وأولاده وأحفاده وأصدقائه وقرائه. وفي بدايته قدم الشكر لمن ساهم في اصدار الديوان، كما ورد تعريف بالشاعر في آخر الديوان. لوحة الغلاف للفنانة منى قرمان دروزة والتي جسدت فيها مأساة سيزيف، أما تصميم الغلاف أشرف عليه الفنان بشار جمال. ديوان "سيزيف وبحار" من القطع الوسط، احتوى على 37 قصيدة في 142 صفحة صافية، والقصائد جاءت مختلفة الطول منها ما وقع في صفحة واحدة ومنها ما امتد على صفحات خمس وأكثر.

لا تكفي قراءة عابرة لديوان أسيد لفهم مضامين قصائده، التي جاءت حافلة بالمعاني والرموز والاشارات والايحاءات، بغض النظر عن مستواه الفني والذي أتركه للناقدين المختصين. وأظن ان هذا يقف الى صالح الشاعر، حيث جاء الديوان الذي أصدره بعد تجارب كبيرة في الحياة، جعلتني أرى في العبارة التي أوردتها الباحثة زينة حمود، في مقالها "دهشة الأدب" تنطبق على شاعرنا، حيث تقول "سمّي الشاعر شاعراً لأنه يفطن الى ما لم يفطن له غيره، فلفظ الشعر يحمل دلالات لغوية عدة؛ وهي العلم، والمعرفة، والفطنة، والدراية" (2). وهذا ما حمله الديوان وجاء به شاعرنا، كما سنتبين من خلال هذه المراجعة السريعة لعدد من قصائد الديوان.

أول ما يستوقف القاريء عادة اسم الديوان لما يحمله من ايحاءات ومدلولات تتعلق بمضمون الديوان، و"سيزيف وبِحار" هو من هذا النوع بامتياز. سيزيف أو سيسيفوس رمز أسطوري، كان أحد أكثر الشخصيات مكراً بحسب الميثولوجيا الإغريقية، حيث استطاع أن يخدع إله الموت ثاناتوس مما أغضب كبير الآلهة زيوس، فعاقبه بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا حتى الأبد، فأصبح رمز العذاب الأبدي. واختيار شاعرنا لهذه الشخصية لم يكن عبثا ولا لعرض معرفته الواسعة، انما هي إشارة واضحة الى أنه يرمز للشعب الفلسطيني، هذا الشعب الذي يعتبر رمزا للعذاب الإنساني في عصرنا، والذي كلما وصل الى مرحلة يبدو فيها الفرج قريبا، وإذ به يعود أو تتم اعادته الى البدايات للسير مجددا في درب العذاب، لكن شاعرنا أسيد يرفض أن يكون شعبه نسخة عن سيزيف الأسطورة الخاضع لحكم كبير الآلهة، ويجعله سيزيفا جديدا رافضا للحكم المفروض عليه، وهذا واضح في اعلان الشاعر الصريح في بداية قصيدته "سيزيف وكنعان" (ص 6-9):

"أنا سيزيف آخر
أنا ما عدت أنا.. فهل تسمعون؟
لم أعد ذاك المعذب الأبدي
لم أعد ذاك الذي يحمل الصخرة"

واذا كان سيزيف الأسطورة رضخ لحكم كبير الآلهة زيوس، إلا أن سيزيف الفلسطيني يرفض قرار "كبير الآلهة" في عصرنا والذي يقيم "في بيتهم الأبيض" كما يقول شاعرنا، ويعلن في نفس القصيدة:

"لن أقبل القرار
سألقي بنفسي وألقي بالحجر
كرة مشتعلة .. تتناثر كالمطر
من أعلى قمة الجبل
على مجمع الربان
ليموت زيوس
وأعود لأصبح رماد
ينتظر الميلاد".

وهكذا فان الشاعر جعل سيزيف الفلسطيني ثائرا على واقعه المأساوي، وراسما له طريقا جديدا مغايرا.

أما البحار، والتي تشكل الشق الثاني من عنوان الديوان، ترمز عادة للخطر والرهبة والمجهول، لكنها عند شاعرنا أسيد هي الملجأ، الذي يأتي اليه الشاعر ليرمي في أحضانه همومه ويطرح الأسئلة الصعبة، عن معنى العدل والحرية من ناحية وانتشار الطغيان والظلم من ناحية ثانية، ويتجلى ذلك في قصيدته التالية التي تكمل الأولى، وتشكل الكلمة الثانية من اسم الديوان " يا بحار" (ص 10- 14) حيث يأتي الشاعر طالبا الأمان والهدوء في حضنها:

"يا بحار
خذيني اليك.. أنا أتلهف للمسة حنان
أنا مشتاق ليدٍ تداعب شعري
لصدر يضمني
مشتاق أنا.. محتاج للأمان"

ويغير الشاعر من رمزية البحار، ففي قصيدة "شمس البحار تنهض من نومها" (ص 128-131) يجعلها رمز الخلاص والإنقاذ من الموت والهلاك، عندما حملت الراحلين عن وطنهم في النكبة وتحميهم من الهلاك فتحولت الى رمز إيجابي:

"نهضتُ من لججك يا بحار
شمسٌ تنام بين الأمواج
بيدها ما يشبه العصا
وبالأخرى كأنّه سراج
وأخذتِ بيدنا من تحت سابع أرض
وصعدنا معها كلّ تلك الأدراج"

ويذكر الناقد د. عز الدين إسماعيل (3)، بأنه من حق الشاعر تعديل معاني الرمز الذي اختاره، شرط أن يبرهن لنا ذلك الشاعر في السياق الشعري، وهذا ما فعله الشاعر أسيد في هذا المجال.

من الرموز القديمة الى رمز هذا العصر جمال عبد الناصر..
يتكيء شاعرنا على الرموز الأسطورية في أكثر من قصيدة اما بشكل كامل أو جزئي، ومن الشخصيات الأسطورية التي يمنحها مكانة في ديوانه "عشتار". وعشتار هي الهة الحب والجنس والإخصاب والحرب، وكانت الالهة الرئيسية لمدينة الوركاء والهة مرموقة في كل مدينة في وادي الرافدين، وكانت عشتار الهة بالغة الجمال والذكاء وعرفت بجرأتها وخبثها. يستهل الشاعر أسيد قصيدة "عشتار: تموز قضى!" (ص 81-84)، معرفا بعشتار:
"إلهة الحب!/ إلهة الجمال!/ إلهة الخصب!".

أما تموز ويعرف باسم "دموزي"، هو إله قديم مرتبط بالرعاة في بلاد ما بين النهرين. كان القرين الأول للإلهة إنانا السومرية، التي عُرفت لاحقًا باسم عشتار، التي كانت أكثر أهمية من تموز. وتذكر الأسطورة أن تموز طلب يد عشتار التي فضلت مزارعا يدعى انكميدو، لكن تموز استطاع التحايل عليها واقناعها بالزواج منه. وتقرر عشتار يوما ما ان تنزل إلى العالم السفلي وتكتشف ذلك اختها التي تكرهها، فتبقيها هناك لكن بحيلة لاله آخر تخرج عشتار، مقابل ان يبقى تموز مكانها لنصف عام تحت الأرض والنصف الثاني فوقها.  

ويلجأ شاعرنا أسيد الى هذه الأسطورة ثانية في قصيدة "آهٍ عشتار" (ص 132-135)، حيث يعاتب الهة الحب كيف ترضى بأن تهاجم الذئاب والضباع (إشارة الى الاحتلال) الأطفال بينما تموز يرتدي ازهى الثياب احتفالا بزفافه من عشتار، لكن النيران تشتعل وتقضي على المزروعات، فيتساءل الشاعر اذا كان ما يراه حقيقة أم سراب في إشارة خفية الى ممارسات الاحتلال واغتصاب الأرض، ويسأل عشتار التي بإمكانها ان تخلص تموز:

"هل سيعود تموز؟
هل ستبحثين عته؟
هل ستطلبين من الشقيقة عودته؟
هل ستسعَين لتموز إياب؟"

ليس سرا أن شاعرنا أسيد عيساوي ناصري حتى النخاع، فهو يحب الرئيس والقائد العربي جمال عبد الناصر حبا لا يوصف، الى حد أنه يحرص سنويا على أن يزور ضريح القائد في القاهرة إما في ذكرى رحيله أو في يوم ميلاده، كما أنه ينشط في لجنة إحياء مئوية الزعيم العربي، حيث كان أسيد من أوائل الذين لبوا النداء لتشكيل اللجنة واحياء مئوية ميلاد القائد العربي الخالد، ولهذا لم يكن غريبا أن يكتب قصيدة في حب عبد الناصر بعنوان "على الضريح" (ص 85-89)، وفيها يخاطب الزعيم عندما يقف حزينا ومتألما عند ضريحه مناشدا إياه بالعودة كما فعل شعراء آخرون:

"عُد إلينا، عُد إلينا يا جمال
عُد إلينا نحن أحوج منهم إليك
قل لهم اننا دونك عدم
دونك نحن صنم
دونك صرنا مضحكة الأمم
صرنا جميعا تحت القدم"

ويستذكر الشاعر أقوال ومواقف عبد الناصر القومية والوطنية مثل اعلان تأميم قناة السويس والإصلاح الزراعي ورفض الهزيمة العسكرية، ثم ينتقد استلام السادات من بعده الحكم في مصر والذي فرط بالمكاسب والإنجازات الناصرية. ويعود ليخاطب الزعيم مصرحا بحبه وأنه جاء من بلد أحب عبد الناصر:

"على باب بيتك وقفت
ناديتك: أبا خالد يا قائد
قلتها وأنا على بابك
أنا من أتاك من أرضٍ عطشى
ارتوت من دمك الطاهر
قادم أنا من بلد عشقك
وحلم بأن يراك ناصر"

تسكن فلسطين وجدان شاعرنا أسيد في قصائد ديوانه كما سكنت بين أضلاعه ودفع ثمنا لذلك. فيراها مرة جفرا ومرة حبيبته الأبدية التي يتغزل بها ويتغنى بجمالها ويذكر أمجادها

"وعاش في ظلالك المواطن إنسان
في كنائسك ومساجدك صلّى كاهن وإمام
من مدارسك نبتت في الدنيا رايات وأعلام" (ص 99)

ولا ينسى أسيد الجرح الفلسطيني النازف وهو نزيف النكبة واللجوء الذي حرم الفلسطيني من حقه بالعودة الى أرضه وبيته، قصيدة "مشتاق أنا" (ص101-104) ويحكي قصة اغتصابها من خلال قصيدة "الذئب والنملة" (ص 41-44) حيث يشبه العدو المغتصب بالذئب وفلسطين بالنملة الصغيرة الضعيفة، لكنها لا تستسلم أمام العدو ولا تضعف وتعلن التحدي وبقائها في وطنها. وهي حبيبته التي يبحث عنها في كل مكان قصيدة "فلسطينية" (ص 50-52). وهي حبه الأكبر في قصيدة "آه حبيبتي" (ص 97-100).

أكتفي بهذه العجالة، ويؤسفني أني لم أتطرق لكافة قصائد الديوان لضيق المجال، وخاصة التي تتحدث عن فلسطين وعشق الشاعر لها. وأتمنى لشاعرنا أسيد عيساوي المزيد من الإنتاج الشعري وأن نلتقيه في ديوان آخر جديد.

إشارات:
1) سيزيف وبحار أسيد عيساوي، دار الوسط، رام الله، 2019
2) جريدة "البناء" اللبنانية، 018/3/202
3) د. عز الدين إسماعيل – الشعر العربي المعاصر، دار العودة، بيروت، طبعة خامسة 1988، ص 201

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة شفاعمرو/ الجليل. - zeyad1004@gmail.com