2021-12-07

قصة:   سَفَر..!

بقلم: نصير أحمد الريماوي

تجمع الرُّكاب من مختلف الأعمار في موقف الباصات بمدينة "جنين" صباحا استعدادا للذهاب إلى أعمالهم في مدينة "نابلس" وقضاء حوائجهم.. عند موعد الإقلاع جاء السائق والجابي معا، السائق في الأربعين من عمره، مفرود الوجه، وتعلو محياه بسمات ترحيبية بالحضور.. صعد إلى باص لونه أحمر وأبيض يعمل بالديزل، قديم الهيئة، ويتسع لستين راكبا وراكبة.. جلس على كرسي القيادة.. فتح علبة دخان "الهيشة"*.. لفَّ سيجارة من "التتن" الفلسطيني على مهل ثم أشعلها بقداحتة.. شغّل الماتور بعد عدة محاولات، وبدأ يدعو الرُّكاب إلى الصعود تباعا حتى امتلأت الكراسي ناهيك عن أعداد الواقفين في وسط الباص المتشبثين بذراعي الحديد المثبّتتين في سقف الباص.

أما الجابي فقد كان آخر الصاعدين، ومُزنّر بنزنار جلدي فيه عدة جيوب لوضع النقود، والتذاكر، وماكينة التخريم.. أغلق السائق الباب الأمامي بواسطة ذراع حديدي- حيث لم تكن أجهزة ضغط الهواء معروفة خلال فترة الستينيات – فيما أغلق الجابي الباب الخلفي، وانهمك بالتجوال بين الرُّكاب، وقطع التذاكر وتخريمها بماكينة التخريم لكل من يدفع الأجرة في الوقت الذي تحركت فيه الحافلة من مكانها قاصدة وجهتها المذكورة آنفا، والسائق يتمتم بدعاء السَّفر: "اللهم هوِّن علينا سفرنا واطوِ عنّا بُعده.. اللهمَ أنت الصاحب في السَّفر احفظنا واجعل السّلامة طريقنا..".

صارهدير الماتور يتصاعد، وعجلات الحافلة تنهش الشارع بِهمة قوية بينما الركّاب يتجاذبون أطراف الحديث فيما بينهم ويروون قصص أعمالهم لبعضهم البعض.. الكل قاصد باب الله.. حتى وصلوا إلى أراضٍ سهلية خضراء وممتدة تحيطها جبال.

فجأة! دعس السائق على الفرامل وسط الشارع فتوقفت الحافلة.. دُهش الرّكاب مما فعل، وصاروا يتساءلون.. لماذا توقفت يا رجل.. لماذا؟
أجابهم: أنا أرى شخصا يركض نحوي وكأنه مقطوع يا جماعة..
-    أين هو؟
-    هناك، ها هو يهرول عن الجبل مسرعا، وقادم نحوي وهو يلوح لي بالوقوف..هو هناك، ألم ترونه؟..
-    نحن لم نرَ أحدا ولا شيئا.. أين هو؟

انفجروا من الضحك عليه، والسُخرية منه ومن فعلته.. ويتهامسون معقول هو يرى ما لا نراه نحن؟

-    يكرر السائق كلامه يا جماعة هذا هو لقد اقترب.. اقترب.. اقترب.. حرام يبدو أنه مقطوع.. حرام مقطوع لنأخذه معنا..!

فتح باب الباص الأمامي وهو ينظر محدقا بعينيه نحو الباب، متسمِّرا في مكانه، ويردد: "طلع في الباص يا جماعة" وهو يشير إليه بسبابته اليمنى..

 الرُّكاب مدهوشون ومصابون بالحيرة، ويقلِّبون أنظارهم في كل الاتجاهات علّهم يرون شيئا، لكن دون جدوى.. يحثونه على الانطلاق ويضغطون عليه للتحرك حتى لا يتأخرون عن أعمالهم..

ما هي إلا لحظات حتى سقط السائق عن كرسي القيادة.. هبّوا نحوه.. تجمعوا من حوله.. حاولوا تحريكه، فلم يتحرك، ساعتئذ أيقنوا أنه لفظ أنفاسه الأخيرة..!

-------
•    الهيشة والتتن: هما التبغ.
•    الراوي: أبو داوود، قصة حقيقية يتداولها المواطنون في محافظات الشمال.

* كاتب وصحفي - Naseer_rimawi@yahoo.com