2022-06-27

كباسيل.. لن نتوب عن أحلامنا مهما تكرر انكسارها ..!

بقلم: عيسى قراقع

"كباسيل" جمع كبسولة، عنوان الدراسة الجديدة للكاتب والصحفي والاسير المحرر عمر نزال، وهي ‏دراسة خرجت في كبسولة بعد ان كتبت فصولها داخل السجن، ربما الكبسولة هي ابداع فلسطيني ‏بامتياز، ورق شفاف وناعم يكتب الاسير عليه ويلفه بشكل متقن، تحفظ بأماكن سرية في الجسم ‏وتهرب الى الخارج، وهذه "الكباسيل" كانت الكنز الثقافي والفكري والرسل التي حملت افكار ومواقف ‏واراء وبيانات الاسرى، ولعبت دورا كبيرا في عملية التواصل داخل السجون وخارجها.‏

من يحمل كبسولة داخل السجن كأنه يحمل قنبلة، يتعرض للملاحقة والضرب والعزل والمحاكمة اذا ما ‏القي القبض عليه متلبسا بحمل كبسولة، تحولت "الكباسيل" الى شهادات ووثائق وحملت في طياتها ادبا ‏وكنوزا ثقافية من دراسات ودوواين شعر وروايات وخواطر ومسرحيات ورسائل وغيرها، ووصل ‏الامر أن تحمل "الكباسيل" نطف الحياة، حيوانات منوية خرجت من الظلمات الى النور ليولد الاولاد ‏والبنات وتتكون العائلات في أكبر معجزة انسانية.‏

"للكباسيل" حكاية طويلة منذ بداية الاحتلال الاسرائيلي، هي رمز لإصرار الاسرى على التواصل وكسر ‏عزلة السجن وجنون الفراغ، وقد استعرضت دراسة الكاتب عمر نزال اكثر من 20 اسلوبا للتواصل ‏بين الاسرى مع بعضهم البعض ومع العالم الخارجي بطرق مواربة وسرية، وكان ذلك تحديا لمنظومة ‏القمع الاسرائيلية والاجراءات الوحشية التي تطبق بحق الاسرى منذ ان كان القلم والكتاب والورقة ‏والصحيفة والمذياع من الممنوعات.‏

الكبسولة هي التي اشعلت الاضرابات والمواجهات داخل السجون وانتزعت الحقوق الانسانية ‏والمعيشية للمعتقلين، والكبسولة هي التي نظمت حياة الاسرى في وحدة جماعية وسلطة ثورية بديلة ‏لسلطة السجان، والكبسولة هي المرشد والمعلم في مدرسة واكاديمية السجن وانتظام الحياة الثقافة ‏وتخريج الطاقات والكادرات المبدعة، والكبسولة هي التي حملت مشاعر الحب والحنين والاشواق ‏للأهل والاحباء ورممت المسافة بين البعيد والقريب، كسرت سياسة تجريد الانسان من انسانيته ‏وهويته الوطنية، الكبسولة هي الرواية الفلسطينية المضادة لرواية الاحتلال، المحكمة الانسانية ‏الفكرية والوجدانية التي تحاكم جرائم المحتلين خلف القضبان، انها توثق الشجاعة والكرامة والبطولات ‏والاصرار العنيد على الحرية والحياة.

دراسة الاسير والصحفي عمر نزال كشفت أهمية الاتصال والتواصل كحاجة انسانية واجتماعية وثقافية ‏ونفسية وتربوية للمعتقلين، واستغلال ادارة السجون لهذه الحاجات لجعل السجن ليس فقط مجرد ‏احتجاز وانما لتقويض وتهديم الحياة البشرية للأسرى، واعدام الروح والنفس والمشاعر بالعزل الزماني ‏والمكاني عن الحياة والمجتمع، فالكبسولة تحدت نظام ادارة السجون الذي يهدف الى الموت الاجتماعي ‏والانفعالي للأسرى والتسبب بالألم النفسي والاحساس بالعدم واللايقين والسبات الثقافي والاغتراب ‏والانقطاع عن تطورات الحياة.

الكبسولة المحشوة بمدارك العقل ونبضات القلب تحدت نظام التدجين وصهر الوعي وسياسة خلق ‏مجتمع اسرى انضباطي وبليد من خلال السيطرة والتحكم بوسائل الاعلام وتجفيف مصادر المعرفة ‏وتقنين وصول المعلومات الى الاسرى من اجل صنع الاسير الجديد بالتأهيل والاعداد واعادة هندسة ‏عقله بنشر ثقافة الاستسلام وغسل الادمغة وافراغها من المحتوى الوطني.

الكبسولة فيها روح وبارود انساني متمردة عصية مصرة على التحليق في الفضاء واخراج الاسرى من ‏خلف الجدران الى الرأي العام والمحاكم الدولية وكافة مؤسسات حقوق الانسان، الكبسولة مصرة ان ‏يكون للأسرى مقعد جامعي وشهادة وكتاب ورواية واغنية وقصيدة ،ليبقى الاسير حاضرا ومشاركا وهو ‏العنوان في كل مكان، الكبسولة لاهوت الحرية والحجاب الذي يكشف الغيب لكل المعذبين والمقهورين ‏والرازحين تحت نير الظلم والاحتلال.

ما يميز دراسة "كباسيل" للكاتب عمر نزال انها اعدت من خلال استمارة بحث ميداني وزعت على ‏الاسرى في سجن عوفر خلال وجود الكاتب في السجن في الفترة الواقعة بين عامي (2016-2017) ‏وقد استخرجت منها عينة عشوائية منتظمة من 53 اسيرا اجابوا على اسئلة الاستمارة حول علاقتهم ‏بوسائل الاعلام والاتصال وكيفية تعاملهم مع مضامينها، ومدى اهتمامهم بها وتأثيراتها المختلفة عليهم، ‏وقد عزز الكاتب دراسته بمقابلات مع اسرى محررين ومراجع وابحاث ذات صلة.

"كباسيل" هي الدراسة الاولى التي تركز بشكل خاص على جانب التواصل والاتصال بين الاسرى ‏ووسائل الاعلام بأشكالها المتعددة، وما يعطيها الاهمية انها دراسة علمية وبحثية ونقدية سلطت الضوء ‏على واقع الاسرى الحالي بعد مرحلة اتفاقيات اوسلو وفي ظل الانقسام الفلسطيني الفلسطيني وغياب ‏الافق السياسي وتفاقم معاناة الاسرى في السجون.

ما لفت انتباهي هي النتائج الخطيرة التي توصلت اليها الدراسة، فالكاتب عمر نزال والمخضرم في ‏تجربته الاعتقالية يقرع الجرس عندما يعلن ان اكثر من 50% من الاسرى يقضون أكثر من 15 ساعة ‏اسبوعيا في التسلية والترفيه مع وجود فوارق بسيطة بين فصيل وآخر، وأن 36%من الاسرى في ‏مرحلة التعليم الاساسي يهدرون اكثر من 21 ساعة في التسلية وليس في التعلم وصقل الوعي ‏والحصول على المعرفة والمعلومات والأخبار، فحسب اعتقاد الكاتب أن هذا لا يتفق مع ما ذهب اليه ‏قادة الحركة الاسيرة الذين يؤكدون دائما على اهمية وسائل الاعلام كونها مصدرا للمعرفة والاخبار.‏

الكاتب يطلب من قادة الحركة الاسيرة دراسة هذه الاستنتاجات المتعلقة بتعامل الاسرى مع وسائل ‏الاعلام والبحث عن السبل الكفيلة لتحقيق تعاطي أكثر فائدة وايجابية تسهم في تحصين الاسرى من ‏التأثيرات السلبية لوسائل الاعلام وإعادة تنظيم الحياة التربوية والثقافية للأسرى بطرق تنمي لديهم ‏الوعي التحرري.

المفارقة في الدراسة التي تحتاج الى وقفة جدية هي انه في الوقت الذي لم تكن وسائل الاعلام متاحة ‏للأسرى، وتمارس بحقهم سياسة الطمس والعزل والتجهيل الثقافي والفكري والحرمان، استطاع ‏الاسرى ان ينتزعوا بنضالاتهم وابداعاتهم انجازات كثيرة على صعيد الاتصال والتواصل ويؤسسوا ‏سلطة ثورية مضادة لسلطة السجون، بينما في الوقت الراهن حيث وسائل الاعلام والاتصال متاحة ‏بنسبة كبيرة ويفترض استثمارها من اجل التنمية الثقافية للأسرى وتعميق الوعي الوطني نجد التراجع ‏والتشرذم وغياب الوحدة الوطنية والنكوص عن الاهتمام بالثقافة والقيم الوطنية الجامعة.‏

"كباسيل" دراسة تحذر من مخطط سياسي صهيوني يطبق على الاسرى في السجون، الرفاهية الشكلية ‏والامتيازات والوفرة المادية اصبحت جزءا من مقومات السيطرة والالهاء في السجون على حساب ‏القضايا الوطنية، السيطرة على الاسرى كرموز لحركة التحرر الوطني لم يعد من خلال سلاسل الحديد ‏وانما عن طريق افكارهم ونمط حياتهم واغراقهم في المصالح الفردية والجهوية والشللية.

"كباسيل" دراسة كأنها تطلب من كل السياسيين والباحثين ومن كل القادة والمسؤولين ان يفتحوا كباسيل ‏الشهداء والاسرى علي الجعفري واسحاق مراغة وقاسم ابو عكر وميسرة أبو حمدية وفاضل يونس ‏وحافظ ابو عباية ومعين بسيسو وتيريز هلسة وغيرهم الكثيرون ليقرأوا ما كتبه الاسرى: ‏
لن نتوب عن احلامنا مهما تكرر انكسارها.‏

* وزير شؤون الأسرى والمحررين- رام الله. - iqaraqe1@gmail.com