2022-06-29

القرآن كمرجعية للتاريخ القديم..!

بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

لنا أن نتساءل عندما نقرأ هذه المقولة لأحد الباحثين: "مصدرنا الوحيد عن أعمال داود وسليمان وعن دورهما السياسي والعمراني هو التوراة وحدها.. ولا توجد مصادر تاريخية تدعم السجل التوراتي، كما لا تساهم المخلفات التاريخية في إيضاح ذلك". ما مدى صحة هذا الكلام؟

كثيرون يستبعدون في المطلق اعتبار القرآن الكريم مصدر من مصادر التاريخ القديم، وربما أن هذا القول يبيو صحيحًا لأول وهلة، لكن القرآن الكريم في الواقع يتطرق إلى تاريخ الأقوام التي عاشت في أزمنة قديمة، ويحكي لنا قصص الأنبياء وتلك الأقوام: نوح وإدريس وإبراهيم ولوط وصالح ويونس وموسى وهارون وشعيب وداود وسليمان وزكريا ويحي وعيسى عليهم السلام، وتتشابه الكثير من هذه القصص مع مثيلاتها في التوراة، وكثير آخر مما جاء في التوراة يتشابه أيضًا مع ما جاء في الملاحم السومرية والفرعونية، بل يبدو أنه مأخوذ منها اقتباسًا، مما يجعل من الصعب الأخذ بصحة هذه المقولة. ونستطيع أن نفهم مما جاء في قصص الأنبياء أنه لم يترك أثر لتلك الأقوام التي أبيدت بمدمرات إلهية عظيمة، فلم يتبق من آثارهم إلا النزر اليسير (مدائن صالح مثالاً).

ومعلوم أن التوراة التي كتبت بعد أكثر من خمسمئة عام من ظهور سيدنا موسى عليه السلام تضمنت العديد من المغالطات والافتراءات، لكن لابد من التأكيد هنا على مدى التشابه الكبير في قصص الأنبياء داود وسليمان التي وردت في كل من القرآن الكريم والتوراة.

أمامي الكتاب المقدس (العهدين القديم والجديد)، وقد ترجم من اللغات الأصلية عن دار الكتاب المقدس في مصر(ط/9- 2015)، وسأورد هنا مثالين فقط لتشابه قصص القرآن والتوراة:
- صموئيل الأول 49: ومد داود يده إلى الكنف وأخذ منه حجرًا ورماه بالمقلاع، وضرب الفلسطيني (جوليات/ جالوت) في جبهته، فارتز الحجر في جبهته، وسقط على وجهه إلى الأرض. 50 فتمكن داود من الفلسطيني بالمقلاع والحجر، وضرب الفلسطيني وقتله، ولم يكن سيف بيد داود.
وهو ما يتشابه تمامًا مع ما جاء في القرآن الكريم.
- سفر الملوك الأول10 -2 فأتت ملكة سبأ إلى أورشليم بموكب عظيم جدًا، بجمال حاملة أطيانًا وذهبًا كثيرًا جدًا وحجارة كريمة. وأتت إلى سليمان وكلمته بكل ما كان بقلبها. 3- فأخبرها سليمان بكل كلامها. لم يكن أمرًا مخفيًا عن الملك لم يخبرها به... 23- فتعاظم الملك سليمان على كل ملوك الأرض في الغنى والحكمة.

هناك بالطبع عدة فروق في تناول كل من القرآن الكريم والتوراة لقصص الأنبياء (وتاريخهم)، ففي قصة سيدنا داود هناك حكاية أوريا الحثي، وهي لا تليق بالأنبياء ولا يمكن الأخذ بها، وفي التوراة نفاجأ بأن الأمر ينتهي بسيدنا سليمان إلى عبادة عشتار آلهة الكنعانيين، وليس هذا واردًا عندنا البتة. كما أننا نؤمن بأن كل أنبياء الله كانوا مسلمين، وأن الهيكل الذي بناه سيدنا سليمان كان مسجدًا.

ومن المؤسف أن العديد من باحثينا العرب هللوا لما توصل إليه بعد الآثاريين الإسرائيليين والغربيين إلى القول ببطلان قصة سيدنا موسى في مصر، وتيه سيناء، وشككوا بقصة طالوت وجالوت، واضطهاد المصريين القدماء لبني إسرائيل، وشككوا بوجود مملكة داود وسليمان ..الخ، وهو ما يتعارض مع عقيدتنا وإيماننا الراسخ بكل ما جاء في القرآن الكريم. ولا يمكن أن نكون صادقين في عقيدتنا ونحن نعتبر أن ما جاء في القرآن مختلف عما جاء به أولئك الباحثون، وأنه لا ضير في أن نؤمن بالاثنين معًا..!

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com