2017-01-11

دور المنظمات الأهلية بالضغط لتحقيق مجلس تشريعي موحد


بقلم: محسن أبو رمضان

تؤمن منظمات العمل الاهلي بدورية الانتخابات بوصفها اداة للمشاركة وتجديد الشرعية كما تؤمن بوظيفة المجلس التشريعي الرامية إلى اقرار التشريعات والقوانين وتحقيق المسائلة والمحاسبة تجاه اداء السلطة التنفيذية.

ورغم تحفظات منظمات العمل الاهلي على قانون الانتخابات الذي يجمع بين الدوائر والتمثيل النسبي، والذي تم اقراره عام 95 حيث كانت تؤيد قانون التمثيل النسبي الكامل إلى جانب مطالبتها بتحقيق كوتا نسائية لا تقل عن 30% تعزيزاً لمبدأ التمييز الايجابي لهذه الفئة المهمشة، إلا انها أي منظمات العمل الاهلي دفعت باتجاه اجراء الانتخابات والتي شاركت بها معظم القوى السياسية في 25/1/2006، بهدف إعادة صياغة السلطة ومؤسساتها على قاعدة انتخابية ديمقراطية بما يساهم في تحقيق الشراكة السياسية بدلاً من وسائل الاقصاء والهيمنة.

لعب المجلس التشريعي في دورته السابقة والتي استمرت منذ عام 96 حتى عام 2006 دوراً في اقرار العديد من القوانين والتشريعات رغم هيمنة كتلة الحزب الحاكم عليها "فتح" وذلك رغم اخفاقه في الدور المكافح للفساد حيث لم يستطع  تحقيق آليات المسائلة والمحاسبة لمظاهر الاختلالات الادارية والمالية واستخدام الموقع والنفوذ لتحقيق منافع وامتيازات ذاتية وخاصة، إلا ان التجربة السابقة اعطت مساحة لمنظمات العمل الأهلي للتفاعل مع اعضاء المجلس ولجانه المختلفة حيث ادى ذلك إلى النجاح في اقرار بعض التشريعات والقوانين المناصرة لمصالح الفقراء والضامنة للحقوق في ذات الوقت، علماً بأن هذا النجاح كان نسبياً، حيث استمرت السلطة التنفيذية في ادارة شؤون الحكم دون مراعاة لأهمية تطبيق القوانين وترجمتها على ارض الواقع بالعديد من الحالات ولكنها التزمت في حالات اخرى.

أبرزت تجربة المجلس التشريعي السابقة أهمية استثماره من قبل مجموعات الصالح سواءً من قبل القطاع الخاص او منظمات العمل الاهلي أو الاحزاب السياسية المنحازة لمصالح اجتماعية وحقوقية معينة، لكنها كشفت في ذات الوقت محدودية الاستجابة إلى الضغوطات الخارجية من قبل السلطة التنفيذية عن الضغوطات الناتجة عن منظمات المجتمع المدني، وقد برز ذلك جلياً في عام 2003، حيث فرض المجتمع الدولي على السلطة التنفيذية وبالتالي على التشريعية بوصفها امتداداً للحزب الحاكم اقرار كل من القانون الاساسي وقانون استقلال القضاء وبالوقت الذي كان ذلك مطلباً للعديد من المنظمات الاهلية والحقوقية والاجتماعية والسياسية، علماً بأن أهداف المجتمع المدني كانت متناقضة تماماً مع اهداف اللجنة الرباعية الدولية تجاه هذين القانونين، حيث كانت الاخيرة تهدف إلى اضعاف سلطة الرئيس الراحل ياسر عرفات عقاباً له على مواقفه الرافض لمقترحات كامب ديڤيد في عام 2000، وبهدف تفكيك السلطة بين يديه وتوزيعها على ملفات مختلفة امنية واقتصادية وسياسية، بالوقت الذي كان المجتع المدني يهدف إلى اعتماد دستور مؤقت بوصفه مرجعية النظام القانونية وبما يساهم في تحقيق الحكم الرشيد.

وبالوقت الذي تأمل معظم الفاعلين السياسيين والاجتماعيين بانتخابات عام 2006، إلا أنها بدلاً من ان تكون اداة للوحدة وتعزيز الشراكة والديمقراطية شكلت مدخلاً للاحتقان والتوتر الذي برز بأشكال قانونية وسياسية عبر التنازع بين صلاحيات رئيس الوزراء وهو من "حماس" ورئيس السلطة وهو من "فتح".

هناك عدة اسباب تقف وراء الحالة التي سادت في تلك الفترة والتي ادت تداعياتها إلى احداث الانقسام المؤسفة في عام 2007 والتي ما زلنا نعاني من تداعياتها السلبية على بنية النظام والمجتمع حتى هذه اللحظة.

إن غياب الثقافة الديمقراطية المبنية على التداول السلمي للسلطة والتعامل مع الاخيرة كمصدر للثروة والنفوذ، والتماهي بين الحزب الحاكم وادوات ومفاتيح الحكم، وعدم استعداد الحاكم لان يصبح مواطن والحزب الحاكم بان يصبح معارض، إلى جانب التعامل مع الانتخابات كمنصة للاستحواذ والسيطرة وعدم الفصل بين عضوية الكتلة الانتخابية وبين عضوية المجلس التشريعي، حيث من المفترض ان يصبح عضو المجلس ممثلاً للشعب رغم ان كتلة انتخابية وحزباً سياسياً ما هو الذي افرزه.

لقد ادى كل ما سبق إلى خلق حالة من الاحتقان والتوتر ثم الانقسام، حيث سيطرت حركة "حماس" على قطاع غزة وشكلت حكومة من اعضائها، كما انفرد الرئيس محمود عباس وقام بتشكيل حكومة بالضفة الغربية، علماً بأن هذا الانقسام ادى إلى اقرار قوانين وقرارات انقسامية تخدم مصالح الحزب الحاكم دون الشراكة مع الآخر وبشكل ادى إلى تقويض الاسس الدستورية.

قامت كتلة الاصلاح والتغيير في غزة باعتماد قوانين دون مصادقة الرئيس عليها، كما قام الرئيس محمود عباس باعتماد قرارات بقوة القانون دون عرضها على المجلس التشريعي، علماً بأن معظم القرارات كانت بأبعاد اقتصادية والقوانين بأبعاد تيسيرية لعمل الحكومة، وتهدف زيادة مواردها وذات مسحة ايديولوجية ايضاً الأمر الذي ادى إلى تقويض وحدة الحالة القانونية وعودة الامور للمرحلة التي سادت قبل تأسيس السلطة عام 1994، حيث كانت أحد "ايجابيتها" تكمن في توحيد المنظومة القانونية بين غزة والضفة.

أدركت منظمات المجتمع المدني خطورة الانقسام وخطورة تعطل عمل المجلس التشريعي الموحدة، ولكنها لم تركز في حملات الضغط والمناصرة على اهمية عقده بصورة موحدة، علماً بأن الانقسام والوحدة وصيانة الحريات العامة، كان الهدف الرئيسي لحملات الضغط والتأثير والتوعية والتي كان جزء منها موضوع المجلس التشريعي.

نظمت بعض منظمات المجتمع المدني ومنها شبكة المنظمات الأهلية وبمشاركة منظمات حقوقية وأحزاب سياسية تقع خارج دائرة طرفي الانقسام حملات ضغط وتأثير باتجاه تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، كما قامت بعض الشخصيات الفاعلة ايضاً بجهداً بهذا الاتجاه، إلا اننا لم نلمس ان هناك تركيز على أهمية عقد اجتماع موحد للمجلس التشريعي حتى لا ينعكس الانقسام سلباً على البنية الحقوقية والديمقراطية بالمجتمع، كما لم يحدث تركيز على الدعوة لإجراء الانتخابات سواءً للرئاسة أم للمجلس التشريعي بعد انتهاء الولاية الزمنية المحددة بأربع سنوات على إجرائهما.

عندما أصبح هناك عدد كبير من القرارات والقوانين بحيث أصبح معظمها يمس أوضاع منظمات العمل الأهلي والأبعاد الحقوقية والاجتماعية والديمقراطية بدأت منظمات المجتمع المدني بالاهتمام بصورة اكبر بهذه المسألة وتم العمل على إصدار أوراق حقائق حول اثر تعطل المجلس التشريعي على القطاعات الاجتماعية المختلفة وعلى العمل الأهلي ذاته ولكن لم يصل إلى درجة تنظيم حملة محددة بأهمية إعادة التئام المجلس التشريعي بصورة موحدة وبالاستناد إلى القانون الأساسي.

وبسبب الالتباس الذي يسود المرحلة من حيث الاعتراف بدولة فلسطين كعضو مراقب بالأمم المتحدة وبين استمرار السلطة وهي سلطة انتقالية بحكم اتفاق أوسلو وبين "م.ت.ف" وهي عنوان الهوية والتحرر الوطني، فقد أصبح هناك التباس حول أهمية وأولوية التركيز هل على برلمان الدولة، ام المجلس التشريعي الخاص بالسلطة، ام المجلس الوطني الخاص بالمنظمة.

وبما انه لا يوجد إجماع على أولوية التركيز وما دامت السلطة تعمل وفق الآليات والقواعد القديمة رغم العديد من المطالب الرامية لتعيير المسار سواءً باتجاه الدولة أو باتجاه العودة لمنهجية التحرر الوطني، ولأن المجلس التشريعي ما زال مسؤولا عن إقرار القوانين الخاصة بالمجتمع بالضفة والقطاع والقدس فإن هناك أهمية بمكان باتجاه صياغة أدوات ضغط وتأثير ترمي إلى عقد اجتماع موحد للمجلس التشريعي وذلك بهدف مراجعة القرارات والقوانين التي تمت أثناء الانقسام بالتزامن مع الدعوة لإجراء الانتخابات على قاعدة تضمن مشاركة الجميع وباتجاه يقاوم ممارسات الاحتلال التي عملت على تعطيل المجلس عبر الاعتقالات لبعض النواب بهدف إفشاله، الأمر الذي يتطلب التعامل مع الانتخابات بالمعنى المقاوم بحيث يتم كشف زيف الادعاءات الإسرائيلية عن الديمقراطية وإبراز صورتها الحقيقية الرافضة لحقوق شعبنا بممارسة حقوقه الأساسية  ومنها الانتخابات والتي تعتبر جزءً من حقه في تقرير المصير.

من الهام اجراء الانتخابات لكل من المجلسين التشريعي والوطني تنفيذاً لاستحقاق اتفاق القاهرة 2011 وبما سيساهم في تجيد شرعية الهيئات التمثيلية وتحقيق مؤسسات ديمقراطية موحدة لكل مكونات النظام السياسي.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - muhsen@acad.ps