2017-03-20

سوريا.. دكتاتورية الموقع الجغرافي


بقلم: عمار جمهور

يأتي احتدام الصراع الدولي بشأن سوريا، والدفاع المحموم الذي تقوده روسيا للقضاء على التنظيمات المعارضة للنظام بما فيها داعش، انطلاقا من الأهمية الاقتصادية والسياسية والجغرافية التي تتمتع بها سوريا، فموقعها الجغرافي يفرض ذاته في المعادلة السياسية الدولية والاقليمية على حد سواء.

ومن هنا يأتي سبب التدخل الروسي، الذي يرى في بقاء النظام السوري هدفا استراتيجية للحفاظ على مصالحه الاقتصادية بالدرجة الاولى، خاصة فيما يتعلق بتأمين وصول روسيا إلى البحر الابيض المتوسط، فالوصول الى المياه الدافئة، كان وما زال هدفا استراتيجيًا اقتصاديًا لروسيا. خاصة الحفاظ على ميناء طرطوس، الميناء الدافئ الذي يعتبر عوضا عن الموانئ الروسية التي فقدتها في العراق وليبيا، وكذلك للتعويض عن قصور موانئها في فصل الشتاء. فحماية مصالح روسيا الاقتصادية في سوريا يأتي ثمنا لتدخلها العسكري، بالإضافة إلى تحقيقها مصالح عسكرية متمثلة في اختبار اسلحتها وتدريب قواتها بكلفة أقل من تدريبها في روسيا او اي مكان آخر.
 
كما أن التدخل الروسي عمل على إبطال مشروع تمديد انابيب الغاز من قطر الى اوروبا عبر سوريا، ما يضمن لروسيا الافضلية لتسويق غازها في اوروبا، بالاضافة الى توقيع اتفاقيات للتنقيب عن النفط في سوريا، التي قد تعوض ما خسرته في العراق بعد التدخل الاميركي والاوروبي الذي قلص الامتيازات الروسية في النفط العراقي، وغيره من ثروات طبيعية.

اما مصالحها السياسية فتتمثل بضرورة الحفاظ على نظام الحكم السوري لتحقيق التوازن السياسي والدولي مع الغرب تحديدا من ناحية، وبين سوريا وحزب الله مقابل اسرائيل من ناحية اخرى، فاسرائيل تترقب النتائج السياسية والعسكرية لتطوير استراتيجية تجاه سوريا، وقد لا يكون من السهل التنبؤ بالموقف الاسرائيلي، فهل ستفضل "داعش" والتنظيمات الاخرى على النظام السوري؟ ام ستسعى  لأخذ حصتها اذا ما انهار النظام السوري وتم تفتيت سوريا الى دويلات، الامر الذي يعود بالضرر على  حزب الله وايران.

ويأتي النجاح الروسي في حسم المعارك العسكرية في سوريا وتطهيرها مما يعرف بتنظيم "داعش"، تماشيا مع استراتيجية فلاديمير بوتين التي يختار فيها عادة المعركه مع الولايات المتحدة عندما تكون مصالح بلاده الحيوية في خطر أو تحت التهديد، أو في حال وجود فرصة قوية ومقنعة للروس لتعزيز هيمنتهم وفرضها على ارض الواقع، فيأتي الواقع السوري فارضا ذاته امام الاستراتيجية الروسية.

من هنا، فانه ليس من الغريب ان نرى الموقف الاميركي الحذر في التعاطي مع الملف السوري، استنادا إلى ان المصالح الاستراتيجية الاميركية غير مهددة بالقدر ذاته الذي تتهدد فيه المصالح الروسية في حال سيطرة انظمة بغض النظر عن طبيعتها وايدولوجياتها إن سقط نظام الاسد، وذلك يفسر التدخل الروسي العسكري والسياسي لفرض حقائق على ارض المعركة، تعزيزا للمواقف السياسية خلال المفاوضات، بين جميع الاطراف المحلية او الدولية، من موقع قوة وهيمنة مقنعة الى حد ما.

الاهمية الجيوسياسية فرضت ذاتها في سوريا، فموقعها الاستراتيجي كان سببا مباشرا للتدخل العسكري الروسي، وحسم المعارك لصالح النظام، الذي نجح حتى الآن في الترويج الاعلامي المضاد للرواية الغربية، خاصة في حربه  ضد "داعش"، الذي يقاتله الغرب برمته في العراق، فالنجاح في القضاء على التنظيمات الارهابية في سوريا بات مهمة انسانية بالدرجة الاولى، سيشكل لاحقا فرصا لخلق تحالفات دولية جديدة وعلاقات مختلفة عما هي عليه الآن، فترامب في تصريحاته الاخيرة المتعلقة بسوريا، اعلن أن الروس والنظام السوري يحاربان العدو نفسه الذي تحاربه الولايات المتحدة في العراق.

الاسباب المذكورة فرضت على روسيا معادلة ارغمتها على التدخل المباشر في سوريا وخاصة فيما يتعلق بمحاربة التظيمات الارهابية ميدانيا، وضمان التفوق العسكري للنظام السوري، وهو بالتحديد ما انتهجته الدول الغربية في محاربة داعش في العراق لا سيما معركة الموصل. انطلاقا من ذلك فإن تفسير السياسة الغربية تجاه العراق، وكذلك السياسة الروسية تجاه سوريا ينم بالضروروة عن دوافع اقتصادية وسياسية وجغرافية، مكنت كل طرف من تبرير ما وقع به خصمه سياسيا واقتصاديا على الاقل.

* إعلامي فلسطيني - رام الله. - ajmhour@hotmail.com