2017-04-19

الاسرى يصوبون البوصلة


بقلم: محسن أبو رمضان

في اطار حالة الانقسام التي نشهد تفاعلاتها منذ حوالي 10 سنوات دخل النظام السياسي الفلسطيني في ازمة حادة، من الخلافات الداخلية ذات الطبيعية السياسية والإدارية والقانونية والتنموية وبدأت مفردات الانقسام تهيمن على المشهد السياسي والاعلامي والذي اعطى فرصة للاحتلال لتمرير سياساته المعادية من خلال الاستيطان ومصادرة الاراضي وتهويد القدس وسن تشريعات لقنونة البؤر الاستيطانية وجدار الفصل العنصري وزيادة نبرة الحديث وتقديم المقترحات عن الضم سواءً لأجزاء من الضفة كالأغوار ومنطقة "ج" أو لكل الضفة، كما اعطى الانقسام فرصة للاستفراد في قطاع غزة من خلال الاستمرار بالحصار الظالم ومنع ادخال العديد من مستلزمات الانتاج ووضع قيود وآليات لاعاقة عملية اعادة الاعمار، إلى جانب تنفيذ ثلاثة عمليات عسكرية واسعة تم تدمير بها أجزاء هامة من البنية التحتية والمرافق الانتاجية والموارد البشرية.

ساهم الانقسام بتقويض مقومات الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة وأضعف المؤسسات التمثيلية وفي المقدمة منها م.ت.ف اضافة إلى كل من المجلس التشريعي والرئاسة التي انتهت المدة القانونية لهما وتعطلت العملية الديمقراطية وأصبح القضاء مسيس واتجهت حكومتي المنطقتين  إلى آليات من الإدارة المركزية بعيداً عن المشاركة والرقابة والمسائلة الأمر الذي أدى إلى تراجع امكانيات تحقيق نظام سياسي ديمقراطي يحترم الحريات ومبادئ حقوق الانسان التي جرى المس بها في اتون الصراع الثنائي والحرص على التمسك بالسلطة.

تزايدت مؤخراً حدة الخلافات الداخلية بالساحة الفلسطينية، حيث قررت السلطة اتخاذ سلسلة من القرارات غير المسبوقة بحق المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث جرى الخصم على راتب موظفي الوظيفة العمومية "العلاوات" بنسبة لا تقل عن 30% من قيمة الراتب، كما تفاقمت من جديد مشكلة الكهرباء والصحة والمياه، علماً بأن قطاع غزة مازال يعيش حالة من الحصار ومن تعثر عملية إعادة الاعمار ومن ظروف معيشية اقتصادية واجتماعية بالغة الصعوبة، من حيث ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وزيادة نسبة الشباب الراغبين بالهجرة والعديد من المشاكل الاجتماعية الناتجة عنه الأمر الذي كان يتطلب التعامل مع القطاع بصورة استثنائية بالمعنى الايجابي والتمكيني والبنائي وليس بالمعنى السلبي والاقصائي والتهميشي.

لا أعتقد ان استخدام أوراق الضغط الاقتصادية والانسانية سواءً على الموظفين أو غيرهم من القطاعات الاجتماعية المختلفة هي وسائل مناسبة وفعالة من اجل انهاء الانقسام حيث ستؤثر هذه الاوراق من الضغط على اللحمة الداخلية ومقومات النسيج الاجتماعي وستؤدي إلى تداعيات اجتماعية صعبة من حيث تزايد أعداد المندمجين في دائرة الفقر، بما يعنى احتمالية بروز ظواهر اجتماعية خطرة كالسرقات وتعاطي المخدرات ،وزيادة نسبة الجريمة.

إن المدخل الأفضل يكمن بتطبيق اتفاقيات المصالحة الوطنية "القاهرة، الشاطئ، بيروت، موسكو، الدوحة" وإذا كان هناك ملفات عالقة يمكن تأجيلها على أن يتم الشروع فوراً بتشكيل حكومة وحدة وطنية والتحضير للانتخابات الشاملة لكل من المجلس الوطني والمجلس التشريعي والرئاسة وذلك بهدف إعادة تجديد شرعية تلك الهيئات وتعزيز آليات المشاركة بعيداً عن التفرد والاقصاء أو الهيمنة.

وإذا تعذر التوافق على التنفيذ المتزامن بين فتح وحماس فلا بأس بالاستعانة بطرف عربي صديق ومتوافق عليه من الطرفين يستطيع ان يسهل آليات التنفيذ المتبادل.

عند النظر إلى المفردات المستخدمة بالمشهد الاعلامي الفلسطيني فإننا نجد انها تركز على العناوين الداخلية مثل الكهرباء، الاعمار، الموظفين، المعابر، وبالمقابل فإن مفردات العمل السياسي والكفاحي في مواجهة الاستيطان والاحتلال والتمييز العنصري تتراجع في مقابل أولويات العناوين الداخلية.

لقد جاء إضراب الاسرى الأبطال في سجون الاحتلال وذلك ابتداء من يوم 17/4 وهو يوم الاسير الفلسطيني وبمشاركة حوالي 1300 اسير يقف على رأسهم قادة من الحركة الاسيرة أبرزهم مروان البرغوثي واحمد سعدات ليعيد تصويب البوصلة بما أننا ما زلنا نعيش مرحلة تحرر وطني وبأن الاحتلال هو العدو المركزي وبأن الوحدة الوطنية هي الطريق الرئيسي والوحيد لانتزاع حقوقنا وبأن الرهان يجب ان ينصب على البيت الداخلي الفلسطيني على قاعدة الاتفاق على رؤية سياسية موحدة تستند إلى مبادئ التحرر الوطني وذلك على طريق تحقيق اهدافنا بالحرية والاستقلال، علماً بأن وثيقة الاسرى عام 2005 اصبحت وبموافقة كافة القوى هي وثيقة الاجماع الوطني.

كل التحية للأسرى الذين يشكلون الضمير الانساني المتقدم للمجتمع الفلسطيني والذين صوبوا البوصلة باتجاهها السليم بعدياً عن لغة الانقسام التي استنزفت الحالة الوطنية والحقوقية الفلسطينية.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - muhsen@acad.ps