2017-11-12

السعودية وإيران حروب بالوكالة.. وفق رؤية ومصالح أمريكية إسرائيلية جديدة


بقلم: لمى عبد الحميد

هل تصاعد النفوذ الإيراني المواجه لمحاولة بسط السيطرة السعودية على المنطقة هو السبب بالكثير مما يحدث الآن؟! أم أن المنطقة تتعرض لإعادة هيكلة ومجابهة لأخطار تحيط بإسرائيل وبالمصالح الأمريكية على حد سواء؟! هل إيران حقاً من تقوم بإشعال المعارك والحروب على الأرض أم أنها تقف نداً مباشراً في وجه المشروع الذي تعمل إسرائيل وأمريكا على تنفيذه من تحت الطاولة؟

هل التغييرات التي يفرضها النظام الملكي السعودي على بعض العناصر التي تلعب دوراً كبيراً في قلب المعادلة القائمة بما يضمن تحقيق لو جزء من الهدف السعودي بالمنطقة سيؤتى ثمارها؟! أم ستكون محاولة أو لربما مقامرة بآخر الأوراق التي لديها خصوصاً بعد فشلها الذريع بخلق طابع آخر يتماشى مع أهوائها واستراتيجيتها على الأرض؟!

باتت السعودية تأخذ على عاتقها مواجهة النفوذ الإيراني وكل من يلتقي معه بالمصالح بأي شكل أو وسيلة متاحة، نافضةً عن عاتقها أي مسائل جوهرية أخرى تتعلق بخيار الشعوب ومطالبهم الحقيقية وحتى متناسية وغير آبهةً للقضايا النضالية الكبرى الأولى والمحورية، فالمنطقة في نظر الأيديولوجية السعودية قائمة على صراع ديني طائفي مرتكز على مبدأ أن مركز القوة هو سني أم شيعي؟!

وتماشياً مع هذا الفكر الذي عملت على تعزيزه الدول الكبرى صاحبة هذه النزعة الطائفية التي تحاول تعزيز الانقسام العربي أولاً ثم الإقليمي ثانياً بما يضمن الاستفادة من الثروات العربية بالدرجة الأولى، وتأمين الحماية لحليفها الرئيسي بالمنطقة إسرائيل بالدرجة الثانية، قامت المملكة بعدة ممارسات على أكثر من صعيد تمثّل بدايةً:
• التأييد الكامل للحرب على سورية  التي أنهكت الأرض السورية وخلقت فيها دماراً امتد وسيمتد لعدة أعوام وذلك عبر تمويلها لمجموعات مسلحة ذات توجه ديني طائفي، سوريا التي كانت حاضنة مثالية للقضية الفلسطينية وحليف إيران الاستراتيجي الأخطر على إسرائيل والتي صرحت بضرورة القضاء على هذه الشراكة بأي شكل كان وحتى لو وصل الأمر لإسقاط الحكم السوري  وأخذت على عاتقها مد يد العون لكل من يساهم بإزاحة نظام الأسد المؤيد للقضية الفلسطينية ومنهج المقاومة الممسك مع اليد الإيرانية بقبضة ذات السيف المرفوع على رقبة إسرائيل.
• قامت المملكة بشن حرب تدميرية تعسفية لا منطقية على شعب اليمن المسالم الذي أراد حقه فقط في تقرير مصيره وفق ما يخدم الصالح العام لديه ويحترم الحقوق الكاملة للأفراد بإبداء المعارضة أو الرفض بما ينسجم مع الآمال والأماني اليمنية بحجة تدخل الحوثيين (الشيعة) الممولين بالمال والسلاح من إيران بالقرار اليمني، الحوثيين الذين هم جزء من النسيج الاجتماعي اليمني ولديهم كما غيرهم من اليمنيين الحقوق نفسها، فأوزعت لنفسها التدخل بالشأن اليمني على ذريعة أن الحوثيين ومن خلفهم إيران يعملون على تقسيم اليمن وزرع الخلاف والفتنة بين فئات المجتمع اليمني وفي الحقيقة هي كانت تنظر بعين الخوف الكاملة على المصالح السعودية بالأراضي اليمنية (رؤية جيوسياسية) في حال نجاح الحوثيين بالوصول لسدة الحكم باليمن وبالتالي نجاح آخر لإيران بخلق تحالف جديد.
• المقاطعة السعودية لقطر التي كانت تحت عباءة التوجه ذاته حين ظهرت تباشير تحسن العلاقة بينها وبين إيران فاتخذت من ملف تمويل الإرهاب والتضليل الإعلامي مبرراً إقليمياً  دولياً للمقاطعة ودفعت بباقي حلفائها في مجلس التعاون الخليجي أن يحذوا حذوها تخوفاً من أن علاقة إيران بقطر ستسفر عن تعزيز النفوذ الإيراني وتدفع بسياساته إلى المزيد من كسب التأييد.
• قيام السعودية بزعزعة الأمن اللبناني بالضغط على رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري لتقديم استقالته من الحكومة في محاولة لتضييق الخناق على حزب الله حليف إيران في محور المقاومة لإفقاد شرعية وجوده ضمن القرار اللبناني وبالتي ضرب النفوذ الإيراني تحت الحزام غير مبالية بإشعال نار الفتنة الطائفية بين فئات المجتمع اللبناني وحساسية موقعه من الأزمة التي تعاني منها المنطقة.

وعند البحث في الوضع الداخلي السعودي بعد زيارة الرئيس الأمريكي ترامب نجد أنها تمارس أساليب جديدة للتعامل مع الوضع الراهن وهي لم تكن مشورة أمريكية على المملكة بقدر ما هي أفعال تضع بها الشخص المناسب بالمكان المناسب وتجلى هذا واضحاً بوصول محمد بن سلمان إلى ولاية العهد، هذا الأخير الذي يعتبر الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها إسرائيل ويقوم وفق الرؤية السعودية الأمريكية الجديدة بعمليات تصفية لشخصيات مؤثرة في النظام الملكي على خلفية محاربة الفساد وخلق وجه جديد للمملكة بإحداث تغيير في بعض القرارات السعودية بما يتماشى مع كسب القاعدة الشعبية، وكل هذا بالحقيقة ليس سوى انفراد كامل بالسلطة وتغيير بالصف الأول المنافس بالمملكة لتعويض الخسارة الكبيرة في خزينتها بعد دفعها مبالغ طائلة لأمريكا (عقب زيارة ترامب) وإنعاش الاقتصاد السعودي المتدهور، وكل هذا على قاعدة جعل المملكة حليفاً أقوى لأمريكا ويتعداها لفتح علاقات مباشرة مع إسرائيل.

إذاً وبناء على ما سبق نجد أن الخلاف المتأصل بين السعودية وأي دولة عربية  أخرى مبني على تفكير طائفي لا يأخذ بعين الاعتبار المنطق القومي العربي بل يرى بأن الخطر الوحيد بالمنطقة هو الوجود الإيراني، وهي تسعى لترسيخ هذا الفكر في كل الدول العربية عبر تعزيز مفهوم (المحور السني المعتدل) تلك التسمية التي جاءت أولاً من الخطاب الإسرائيلي وتحديداً على لسان نتنياهو وسائر المسؤولين الإسرائيليين الذين كانوا يعملون طوال الوقت على خلق معارك مذهبية وظّفت فيها الإعلام ومقاربات الخبراء السياسيين ومعاهد الدراسات في التعبئة المذهبية بما يخدم مواجهة المحور الشيعي على حد تعبيرهم.

وعليه أكدت إسرائيل على ضرورة الشراكة بينها وبين الدول العربية السنية (في مقدمتها السعودية) في مواجهة مشتركة لإيران وحلفائها، فهناك دراسة معمقة صدرت عام 2013 (عن مركز أبحاث الأمن القومي) في تل أبيب أكدت على الواقع التحالفي بين إسرائيل وعدد من الدول العربية الخليجية المبني على المصالح المشتركة مع توصيف لهذا الواقع على أنه إلى الآن (حلف غير ظاهر) لكنه حلف فاعل ومؤثر، وهذا كله لتعزيز الاتجاه الإقليمي مقابل إيران، إن هذه المصلحة المشتركة هي ذاتها التي دفعت إلى الشراكة وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق البيني بين إسرائيل وممالك وإمارات الخليج ضاربةً عرض الحائط القضية الفلسطينية والعربية، كما تعدت هذه المصلحة المشتركة إلى مصالح إضافية تضمن عدم تؤثر هذه الدول العربية بالتغيرات التي تحدث بالمنطقة والعمل على عدم إسقاطها طالما أنها تضمن أمن وسلامة إسرائيل فخرج نتنياهو عبر مقابلة متلفزة في 2016 ليشير إلى أن دول (الاعتدال العربي) لا تنظر إلى إسرائيل على أنها دولة عدوة بل حليف وشريك يقف معها في مواجهة المد الإيراني..

إن السعودية لم تعد ترى في إسرائيل كيان عدواني استيطاني على الأراضي العربية بل حليف في معركتها الطائفية مع إيران وهي لعبت دور المؤثر على الدول الأخرى لفتح علاقات مباشرة مع إسرائيل هذا ما انكشف للعلن في لقاء محمد بن سلمان بالحكومة الإسرائيلية إضافةً إلى الكثير من اللقاءات التي جمعت بين السعودية وعدد من دول الخليج مع مسؤولين وسياسيين في الحكومة الإسرائيلية وظلت طي الكتمان، هذه العلاقات التي خلقت لدى إسرائيل رؤية مستقبلية مشرقة حول إمكانية التطبيع مع هذه الدول وبالتالي وصولها لإنشاء اتفاق ما مع الفلسطينيين مناقضةً بذلك منطق المعادلة التاريخية الذي من المفترض أن يبدأ بالتسوية مع الفلسطينيين ثم العالم العربي ككل.

الخلاصة هل يمكن النظر لإيران على أنها العدو الأول بالمنطقة كما تدعي السعودية، هذه الدولة ذات الوجود التاريخي المجاور للدول العربية والتي تلتقي معها بمصالح حقيقية عدة ترى فيها إسرائيل كيان عدواني استيطاني وخطر على الإقليم بأكمله؟! هل هناك مبرر لضرب دول عربية بأخرى تحت حجج وذرائع طائفية عقائدية واهية عملت إسرائيل وأمريكا على زرعها في الجسد العربي لضمان حالة الانقسام والتشتت العربي؟! وما هي المصلحة السعودية المستردة من مواجهة إيران وكل دولة أو حزب أو حركة تدعمها؟! هل السعودية تدخل وفق الرؤية الجديدة لولي عهدها محمد بن سلمان حالة من الفوضى والتخبط يدعمها تهور هذا الشاب المشحون بالأفكار والوسائل الأمريكية الإسرائيلية؟! أم أننا سوف نشهد تحرك من الشارع السعودي يخرج به من تلك الأقبية التي وضعه بها ملوك وأولياء السعودية؟! وهل تلك الصراعات القائمة في دول الإقليم لن تطال الأراضي السعودية؟!

إن الواقع العربي بحاجة لإعادة النظر بما يجري على الأرض، وعليه بناء التحالفات على القاعدة التي تضمن الحفاظ على حقوقه وثرواته الكاملة عبر النظر للتحالفات من منطلق حماية الأراضي العربية، ومن مبدأ أن العدو الأوحد هو إسرائيل وليس أي أحد آخر، فهناك عدة مشاريع بمنطقة الشرق الأوسط تصاغ على أكثر من عقيدة وتوجه فلما لا تختار الحكومات العربية الجانب الذي يقرأهُ كقوة مؤثرة وفاعلة في مواجهة المشروع الأمريكي الإسرائيلي..!

* كاتبة فلسطينية. - lamaabdelhamid@gmail.com