2017-11-13

"قادسية" العصر الحديث..!


بقلم: فراس ياغي

ما يجري في منطقة "الشرق الأدنى القديم" تسارع مُخيف للأحداث لدرجة أن المراقبين والمُحلّيين تاهوا في تفسيرها، فالمصالحه الفلسطينيه أصبحت مطلب أمريكي وأوروبي وإقليمي عربي، ورئيس وزراء لبنان "السعودي الجنسيه" ذهب لدولته ومنها قدم إستقالته وبغض النظر عن كونه أُجبر أو كان خَياره، المهم في الأمر أنه أصلا لا يستطيع أن يكون رئيس وزراء لدولة ثانيه يحمل جنسيتها بدون إذن من دولته الأولى "المملكه العربيه السعوديه"، يُضاف لذلك الترتيبات التي تَحدث في "السعوديه" والتي هي بحد ذاتها وبغض النظر عن أهدافها هي إنقلاب هام سيعكس نفسه بقوة على الإقليم ككل.

الأحداث ليست سوى إنعكاس للإستخقاق السوري-العراقي الذي حقق إنتصار لا لبس فيه على القوة الإرهابيه "داعش" والتي كانت سوائبها تهدف لتقسيم "الشرق الأدنى القديم" وفقا للهويات الطائفيه، إضافة لوأد إستفتاء "كردستان-العراق" في مهده وقبل أن يُبصر النور.. هذا الإستحقاق يَستدعي تَحرك عاجل لمواجهته خاصة أن القوة المنافسه والقادمه "إيران" لها دور اساسي ومحوري في كل هذه الإنتصارات، بل إنَّ ما حدث ما هو إلا زيادة نفوذ واضح يمتد من طهران وحتى بيروت ويقفز إلى اليمن بَعدَ صاروخ "الرياض".

لمواجهة هذا الجديد القادم بقوة واضحة، فلا بُدّ من إحداث إرباك إقليمي يَصرف النظر عن الوضع الداخلي لبعض الدول التي يحدث فيها إنقلاب جذري وشامل، والتحضير للقادم الذي يتمثل في إعادة الصراع لطبيعته الأولى، صراع ضِد النفوذ "الإيراني" الذي إستفحل ولا علاج له سوى بالمفاوضات والتعاون بين الجميع في المنطقة بحيث يستند لحل واضح للقضايا عن طريق الحوار وأساس ذلك تمكين الشعب الفلسطيني من دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس، والتحضير للحوار السوري-السوري بحيث تكون الإنتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة مستندة لدستور علماني يُعطي الحقوق للشعب السوري الواحد بمكوناته المختلفة القومية والطائفية ويؤسس لوحدة سوريا غير المنقوصة، أما "اليمن" فالحل يمني وفقط يمني وبحيث يحترم الجوار ولا يتدخل فيه ويكون أيضا وفق دستور جديد يستند لتطلعات الشعب اليمني ككل ويؤسس لإنتخابات تُعيد موازناته السياسية لطبيعتها الداخلية، أما "العراق" فلكي يُعيد وضعه العربي بقوة عليه أن ينبذ الطائفية المقيتة ويعمل على مفهوم المواطنة العراقية كأساس، وهذا يتطلب أيضا إحداث تغيير على دستوره المُستند لمفاهيم الأقاليم والتي حولت العراق وكأنه دولة تتكون من تحالف طوائف أكثر من كونه دولة لمواطن عراقي واحد.

للأسف لا يزال البعض يُفكر بطريقة المواجهة، ولا يعنيه المآسي التي تراكمت من ليبيا مروراً بغزة واليمن وسوريا والعراق وما يحدث من إرهاب مسنود من البعض العربي في شبه جزيرة سيناء، وللأسف لا تزال عقلية البدوي في الثأر قائمة، ولا تزال عقلية القوة والطائفية الأساس التي تُحرك بعض الزعامات في المنطقة، رغم أن الجميع يعرف جيدا أنهم باقون هنا كجغرافيا وكسكان ولا يستطيع أحد أن يمحوا الآخر عن وجه الأرض، وأن كل السياسات القائمة المدعوم أمريكيا ثبت فشلها وأن البديل هو لغة الحوار وتحقيق مصالح الكل مُستندا لحقوق الشعوب والمواطنة الحَقّة وليس للزعامات أو مفهوم الطائفية المقيتة.

إن المخاض القائم حالياً وفي لحظاته الأخيرة يهدف للقيام بترتيبات في المنطقة أساسها تزعم "المملكه العربية السعوديه" بثوبها الجديد العالم "السني" وترتيب الأحلاف بما يتوافق ورؤية الرئيس "ترامب" في مواجهة "إيران"، وقد بدأ ذلك بترتيب البيت السعودي، وبما يحقق إعادة المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية على سكة قطار لا يعمل ولا يتحرك إلا وفق أوامر محددة أساسها الإقتصاد في غزة أولا وإتباع الضفة لها، وبما يحقق أيضاً إستحقاق ما يُسمى بحلف الإعتدال القادم تحضيراً لتوسيع المعركة العسكرية المباشرة بحيث تمتد من "إيران" وحتى "بيروت"، وهنا المصالحة الفلسطينية اساس لأن "غزة" كأرض وسكان وإقتصاد مُهمةٌ لتحييد "حماس" وإبعادها عن حلف "طهران".

يُحكى أن أعرابياً تَرجّل عن حصانهِ ووقفَ أمام صحراءِ الربع الخالي مشدوهاً.. نظر حوّله.. فلم يجد غير الرمال.. تيمّم رملاً وأذّنَ وأقام الصلاة ورفع يديه للباري راجياً أن تشهد تلك الرمال "قادسية" العصر الحديث.. ذاك الأعرابي نسيَ أو تناسى أن "قادسية" زمان كانت ضد الظلم والفساد والفسق..!

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - Firas94@yahoo.com