2018-04-14

قمة تجميل "صفقة القرن"..!


بقلم: د. هاني العقاد

تعقد القمة العربية في الدمام بعد ساعات من توجيه ضربة امريكية بريطانية فرنسية لدمشق ما يزيد احتمالية نشوب حرب جديدة في المنطقة سيجد فيها العرب انفسهم مصطفين مع المعتدي، وكأن العالم العربي يعيش اليوم في الزمن ذاته ابان غزو العراق، لكن هذا الزمن اليوم اختلفت فيه كل المفاهيم السياسية بالعالم العربي وتغيرت فيه الاتجاهات والتوجهات والكل يري العالم المركزي يرسم خارطة جديدة للمنطقة ويوسم كل ما فيها من ثروات لتصبح قابلة للنهب والاستيلاء..!

الخارطة الجديدة قد تهيء ان يكون العدو صديقا، والعربي عدوا.. والغريب هو من يرفض الانخراط في الحلف الجديد..!

القمة اليوم تنعقد بعد فترة طويلة كانت ملحة فيها انعقاد قمة الرد على التوجه الأمريكي الجديد في ما يتعلق بقضية القدس التي اعلن ترامب بلا خجل ولا خوف ولا حتي مجرد تفكير ان هذا الاعلان قد يزعج حلفاءه العرب في الاقليم. قمة الدمام كما اطلق عليها تأتي وسخونة النزاعات في الاقليم تزداد وتلتهب الجبهات واولها سوريا وجبهة اليمن والسعودية والاختلاف بين السعودية وقطر يتعمق، والمؤكد ان سوريا التي باتت الصاعق الذي قد يفجر حربا اقليمية وحتى عالمية ثالثة واخطر الجبهات، لعل الوقود الذري لكل الصواريخ التي ستفجر تلك الجبهات هي قضية القدس التي ستنقل الادارة الامريكية اليها سفارتها بعد اقل من شهر من انتهاء اعمال قمة الدمام.

اجتمع وزراء الخارجية العرب للتحضير للقمة التي من المتوقع ان يحضرها من هم في المربع الامريكي ومن هيمنت امريكا على سياساتهم الداخلية والخارجية ووضعت بلادهم تحت الوصاية بحجة الحماية. توصيات فلسطين اكدت على  ضرورة ان تكون قضية القدس سيدة القمة وضرورة وقفة عربية شاملة تؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني وتدعم صموده ونضاله بكافة الوسائل خاصة الوسائل الشعبية السلمية منها. واكدت فلسطين على ضرورة العمل العربي المشترك من اجل تحميل المجتمع الدولي مسؤولياته وتطبيق قراراته وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني في ظل الجرائم التي ترتكبها اسرائيل بحقه. وطالبت القمة العربية بضرورة  العمل المشترك للتصدي لعزم اسرائيل الترشح لعضوية مجلس الامن والحيلولة دون ذلك.. كما وان فلسطين طالبت ان تعتمد القمة العربية خطة تهدف الي حشد الدعم الدولي لإعادة اطلاق عملية سلام حقيقية ترتكز على المبادرات الخاصة ومنها مبادرة السلام العربي ومبادرة الرئيس ابو مازن والمبادرة الفرنسية ورؤي الاتحاد الاوروبي، وطالبت القمة العربية بوضع خطة مكاملة لمواجهة التهديد الامريكي ونقل السفارة بالتزامن مع نكبة الشعب الفلسطيني.
 
كل ما طالب به الفلسطينيون يعتبر في حد نظري كلاما مكرراً أوصوا به القمم العربية المتتالية  الدورية والطارئة امتدادا من قمة بيروت 2002 وحتى اليوم على الاقل، والتي اطلقت فيها السعودية مبادة السلام العربية التي تجاهلتها اسرائيل ووضعتها امريكا في سلة القمامة. لكن دون شك ستكون سوريا الملف الأهم في القمة والملف القوي على طاولة البحث لان الحليف يريد ذلك.

الخطير اليوم ان هذه القمة تعقد في ظل تسويق امريكا ما يسمي بـ"صفقة القرن"، وهي الصفقة الشاملة التي اوصل بنودها دونالد ترامب للعرب بطريقته السفلية والتي اعتمدت بالأساس على تجنيد عرابين لكل السياسات الامريكية بالشرق الاوسط واهمها تسويق تلك الصفقة المشبوهة والتي تعتمد على اهداء القدس لليهود وانهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين بلا عودة وبلا تعويض ودون اعطاء الفلسطينيين ادني حقوق ركزت عليها مبادرة السلام العربية في 2002، بل على العكس ما تقترحه الصفقة دويلة فلسطينية مؤقته بلا حدود ثابتة وبلا سيادة على الارض ودون القدس وتطبيع عربي خليجي اسرائيلي بلا حدود على اساس حلف عربي امريكي اسرائيلي قوي.

لن تتجرأ القمة العربية على رفض او ادانة التدخل الامريكي في سوريا او ادانة الضربات الصاروخية لسوريا، ولن تتجرأ القمة على رفض "صفقة القرن" او الحديث عن مقاطعة الدور الأمريكي المنحاز في علمية السلام كما يريد الفلسطينيون، ولن يتجرأ العرب على إصدار تهديد او تحزير لأمريكا بقطع العلاقات اذا ما اقدمت الأخيرة على نقل السفارة الأمريكية الى القدس كما اعلن البيت الابيض في يوم نكبة الشعب الفلسطيني والتي تحل ذكراها السبعين بعد شهر من هذه القمة العربية. بل على العكس فان القمة العربية اليوم تأتي لتؤكد وقوف العرب مع الامريكي المعتدي على بلادهم، وتأتي لتجميل ما تسمية الادارة الأمريكية "صفقة القرن" واعتبارها المبادرة الأمريكية المناسبة لحل الصراع..! وما يمكن ان يفعله العرب هو الخروج بتوصيات اقل من المطلوب والطلب من القيادة السورية بتغليب لغة العقل وترك الحكم. اما فيما يتعلق بـ"صفقة القرن" فقد توصي القمة بتشكيل لجنة للتحدث مع الادارة الأمريكية لتعديل الصفقة وتصويب بعض بنودها لتصبح صفقة مقبولة فلسطينيا وعربيا ومطالبة امريكا بالعدول عن قرارها نقل السفارة.

المتوقع بيان فاتر لا يرتقي الى مستوى التحديات التي تهيمن على المشهد العربي، لكن المعروف ان القمة العربية وللأسف سوف تدرج في توصياتها اشياء ويتفق العرب في الكواليس على اشياء اخرى، وهذه عادتهم ولن يتركوها، ولن يصحوا وستبقي بلادهم تدوسها بساطير العسكر الغربي وثرواتهم تدفع كالجزية وقدسهم اعطيت لليهود هدية، فلا حيلة لهم اليوم ولا قوة، وقمتهم لن تشد ظهر فلسطيني يسحقه المحتل ولا قدرة لهم حتى على توفير كسرة خبز لجائع عربي في فلسطين او سوريا او اليمن او العراق او ليبيا..!

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com