2018-05-15

غزة.. ماذا بعد؟!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

ثمانية وخمسون شهيدا حتى الآن ونحو ثلاثة آلاف جريح منهم العشرات في حالة الخطر، هذه هي حصيلة يوم 14 أيار في مسيرات العودة على طول الحدود مع قطاع غزة الجريح والمحاصر اسرائيليا والمعاقب من ذوي القربى. رحم الله الشهداء وصبر ذويهم والشفاء العاجل  للجرحى.

على الرغم ان المصاب جلل وفي حضرة الشهداء والجرحى لا معنى للكلام، ومع  ذلك يجب ان لا نفقد عقولنا لكي لا تذهب دماءهم  وارواحهم في مهب الريح. وعلى اعتبار ان هذه معركة حقيقية بكل ما تعنية الكلمة من معنى يجب ان يكون هناك تقييم لما جرى وما سيجري وما هي أفضل الخيارات المتاحة، وكذلك تقييم لكيفية تصرف العدو خلال هذه المواجهات وكيف سيتصرف في المستقبل.

يجب الاجابة على الاسئلة الصعبة وعدم التهرب من اعطاء اجابات بشأنها سواء ما يتعلق بالأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى او ما يتعلق بالأهداف التكتيكية التي يجب تحقيقها والتي أهمها فك الحصار والغاء العقوبات ورفع الظلم عن غزة وأهلها.

بعيدا عن المبالغة والتهييط وبنظرة موضوعية، غزة استطاعت ان تعيد ترتيب الأوراق السياسية التي لها علاقة بالقضية الفلسطينية من جديد وتصدرت بحماستها ووطنيتها واستعدادها الدائم للعطاء رغم حصارها وجوعها، الاهتمام العالمي. في الوقت الذي من المفترض ان يكون الاهتمام الأكبر في احتفال نقل السفارة الامريكية من القدس الى تل ابيب حيث جلس نتياهو وقيادات اسرائيل والضيوف الذين قبلوا ان يكونوا شهود زور على هذا القرار الجائر، جلسوا قلقين من تطور الاحداث في غزة وخشية ان تنتقل الى الضفة الغربية.

العالم انشغل في ما يجري من مجازر في غزة ولم يلتفت كثيرا لهذا الاحتفال الباهت ولم يلتفت كثيرا للكلمات والخطابات سواء كان خلال الاحتفال او بعد الاحتفال. لم يلتفت ايضا لاجتماع القيادة الفلسطينية التي بدا وكأنها قيادة لشعب آخر ليس له علاقة بغزة وأهلها..! قيادة لم يعد كلامها وقراراتها ذات قيمة او تأثير على مجريات الأمور.

اسرائيل تورطت في دماء الفلسطينيين مما استدرج رد فعل عالمي ناقد لهذا الاستسهال في قتل الفلسطينيين العُزل بالرصاص الحي والمتفجر، وهذا يعتبر فشل اسرائيلي وليس انتصارا. من ناحية اخرى يعتبرون ان عدم اجتياز مئات او آلاف الشبان الفلسطينيين للحدود هو انتصار لهم ولاستعداداتهم المسبقة. حيث وضعوا في الحسبان أسوء السيناريوهات التي ممكن ان تحدث.

غزة استطاعت ان تشغل هيئة الاركان الاسرائيلية وقيادة المنطقة الجنوبية وتعيد انتشار القوات وتعزيزها من أجل مواجهة هذا الخطر المحدق، وهذا السلاح الجديد الذي اكتشفه الفلسطينيون او اعادوا اكتشافه من جديد.

مع ذلك، اسرائيل تستطيع ان تكون فخورة ان ما جرى في غزة على خطورته لم ينتقل الى الضفة الغربية والقدس، حيث هناك مرت الامور في هدوء نسبي (على الاقل حتى الان) لا ينسجم مع حدث كبير كنقل السفارة واستشهاد ثمانية وخمسين فلسطينيا من غزة وجرح ما يقارب ثلاثة آلاف. ومع ذلك هم يدركون ان هذا الوضع قد لا يدوم طويلا.

لم يعد أمس أي لاجئ الى بلدته الأصلية، ولم ينجح الآلاف من اقتحام الحدود ولكن احد أهداف هذه المسيرة تحقق، وان كان بثمن مرتفع، وهو ان القضية الفلسطينية وخاصة قضية اللاجئين والقدس لن يزيلها من ذاكرة الفلسطينيين قرار سياسي او خذلان سياسي.

اسرائيل تدرك ان اهل غزة لا يهابون الموت وليس لديهم ما يخسرونه، ومن خلال تجربتهم يدركون ان الجُبن لا مكان له في قلوبهم سيما ان الأمل في الحياة معدوم وان المستقبل مجهول، لذلك هناك من يدرك ان قتل العشرات والمئات لن يكون رادعا لهؤلاء الشبان، لذلك يطالبون بالعمل على تغيير الواقع المرير واعطاء الناس هناك الأمل في الحياة لعل حينها يكون لديهم ما يخسروه.

المنطق يقول ان هناك اتصالات غير معلنة لكيفية الخروج من هذا الوضع بأقل الخسائر. أهل غزة يبحثون عن الحياة وإسرائيل تبحث عن الهدوء. وعلى اعتبار ان هذه المعركة ليست معركة حياة او موت بالنسبة للفلسطينيين وهي جزء من منظومة متكاملة لاسترداد الحقوق فإن الدماء التي سالت يجب ان تترجم الى انجازات اهمها انهاء الحصار وإلغاء العقوبات.. انهاء الحصار من اسرائيل وإلغاء العقوبات من الرئيس عباس. وكنت أتمنى ان يعلن في كلمته أمس بعد هذا العدد من الشهداء عن انهاء العقوبات وصرف رواتب الموظفين، وهذا افضل بكثير من تنكيس الاعلام واعلان الاضراب.

اذن، هذه المسيرات يجب ان تحقق هذا الانجاز التكتيكي ومصر تستطيع ان تلعب دورا في هذا السياق.

ولأن اسرائيل لا تستطيع ان تتحمل استمرار هذا الوضع وتنتظر كل اسبوع قدوم آلاف الشبان، وتبقي جنودها وهيئة أركانها في حالة استنفار دائم، التقدير في هذه الحالة بأنها ستنقل المعركة من الحدود الى قلب قطاع غزة حتى وإن أدى ذلك الى حرب مفتوحة..!

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - Dr.sufianz@gmail.com