2018-06-12

غزة: "الانقلاب الأسود والعقوبات الجائرة"..!


بقلم: د. أحمد جميل عزم

خَرجَت وسط رام الله، عند العاشرة ليلاً، الأحد الفائت، مسيرة تطالب بـ"رفع العقوبات" عن غزة. وتُنبِّه المسيرة، والنقاش الذي جرى بمناسبتها، لمجموعة إشكاليات بطريقة التفكير في الشأن الغزي، بل وفي أي نزاع أهلي، وليس في حالة غزة وحسب، ويمكن تحديداً الإشارة لأربع مشكلات في التفكير، هي "التجزئة"، و"الأيقنة"، و"التجيير"، و"التخوين والتشكيك".

من تولى المسيرة، أشخاص تجدهم في الصف الأول في المواجهة مع الاحتلال، سواء المواجهة المباشرة مع الجنود والمستوطنين، أو ضمن حملات المقاطعة ورفض التطبيع، ولنشر ثقافة المقاومة. وهم طيف واسع من التوجهات السياسية، خصوصاً اليسار، واليسار السابق، ومن داخل حركة "فتح" ذاتها، وجزء كبير منهم لديهم تاريخ حافل بالصمود والبطولة والمثابرة، ولا يمكن التشكيك بإخلاصهم.

يمكن لأي متابع التوقع سَلفاً، الجدل والنقاط التي ستثار على هامش المسيرة، وأولى النقاط مسألة "التجزئة" ورفضها، وكذلك رفض الحديث عنها. فلا شك أن قضية ما يسمى "العقوبات" في غزة تتعلق بشكل أساسي برواتب الموظفين الذين كانوا يعملون في أجهزة السلطة الفلسطينية، قبل العام 2007؛ أي هم مواطنون عاديون، وجزء منهم هم أعضاء في حركة "فتح" أو قريب منها. ووقف رواتبهم، أو جزء كبير منها، يجعل وضع من عينتهم "حماس" بعد ذلك العام (2007) أفضل أو مشابها، فحماس أيضاً لا تدفع رواتب "موظفيها" كاملة، لأنها لا تستطيع، وعددهم نحو ضعف من يقال إنهم هدف "العقوبات". وهناك آلاف الموظفين (نحو 11 ألفا)، أوقفت رواتبهم منذ العام 2007، وتسمى قضيتهم (تفريغات 2005)، ولم يتناول أحد قضيتهم. وتشكل رواتب هؤلاء الذين مست المظاهرة قضيتهم نسبا مئوية ضئيلة من القوة العاملة في غزة، وبالتالي، موضوع "العقوبات" إلى حد كبير يتعلق بفكرته، أكثر من أثره المادي، حتى لو لم يدرك كثيرون ذلك. فقبل أشهر كانت المفاوضات بين حماس وفتح، تتحطم على "صخرة" طلب الأولى، دفع رواتب الموظفين الذين عينتهم، والآن لا أحد يتحدث عنهم، بل عن من عينتهم "السلطة" ذاتها. والسؤال، ومن دون التقليل من صعوبة وألم ومعاناة من أوقفت رواتبهم، ومن دون التساؤل الكبير عن سبب هذه السياسة الموجهة ضدهم، كم ستتضاءل معاناة غزة ككل، بعودة الرواتب؟ وما هو تعريف "العقوبات" حقاً. وهذا طبعاً يقود إلى أنّ جزءا كبيرا من المعاناة في غزة، مرتبط بسلطة الأمر الواقع، المسيطرة على الأمن التي تجبي الرسوم والضرائب، التي تقرر الحياة السياسية والأمنية؛ أي "حماس"، فما الذي يجب عليها بالمقابل فعله؟ وما هو الوضع في غزة حقاً؟. طبعاً يرفض كثيرون الإشارات لهذه القضايا، على اعتبار أن هدف إثارتها هو التشكيك بجدارة القضية موضع الاحتجاج، وليس توجيه الأنظار للمشهد الشامل.

ثانيا "الأيقنة" والاختزال، وتتصل عملية التجزئة بمسألة أخرى هي البحث عن "أيقونة"؛ أي رمزا للمشكلات، أو للصراع، بل وحتى للبطولة. فعند الإشارة لشهيد أو شهيدة بشكل خاص، ربما لأنّ ملابسات الاستشهاد، أو لأن جهة ما استطاعت أن تبرز "جمال وروعة" الشهيد، فيتحول لرمز، بينما الشهداء الآخرون، الذين قد لا يقلون "جمالا"، تتوارى قصتهم. وفي الصراع تتحول قضية ما لأيقونة، تختفي وراءها القضايا الأخرى.

ثالثا، عمليات التجيير والتسييس: رفعت يافطة في المسيرة تقول "الانقلاب الأسود والعقوبات الجائرة"، في محاولة للهروب أو للتوازن، من أن تبدو المسيرة لصالح حركة "حماس"، أو تجير لذلك. ولا شك أنّ كثيرا ممن لم يشارك، خشي من "التجيير". وهناك بالفعل من يحاول تجيير الأمر واعتباره ضد سياسات الرئيس الفلسطيني ككل.

رابعا، التخوين والتشكيك: بات شائعاً في أي احتجاج في أي دولة عربية التشكيك بدوافع ومحركات المحتجين، ولكن أدى اتساع طيف المشاركين في المسيرة، لاتهامات، لجهات ودول وأشخاص بسعيهم لركوب الموجة، واستغلال الحدث لتسجيل نقاط سياسية، مع تذكيرهم أنّ "حماس" في الجهة الأخرى لا تقبل بأي مسيرات وتقمعها بقوة.

جميع هذه الإرباكات "الشائعة" سببها أنّه لا يوجد جهة قادرة أو راغبة بإلقاء نظرة شاملة ودقيقة على ما يحدث في غزة. فهناك خوف أحياناً من إساءة العلاقة مع طرف إقليمي أو فلسطيني، وهناك "انجرار" للحدث اليومي، والحدث الجديد، ولما يقوم الإعلام بإبرازه، وتحويله لقضية اليوم، بدل تحليل الوضع كلياً.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com