2018-06-13

هندسة الانفصال السياسي لغزة..!


بقلم: د. هاني العقاد

الكابينت الاسرائيلي المصغر شرع مؤخرا في مناقشة خطط اعدت لغزة، جميعها تتحدث عن حلول انسانية وتقديم خدمات للمواطنين.. خطة السيد نيكولاي ميلادينوف المنسق الخاص لعملية السلام للأمم المتحدة، وخطة وزير المواصلات الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وخطة اخرى تقترحها مصر، وقد تكون هناك خطط سرية لم يعلن عنها او لم يتم تسريبها للأعلام.

كل الخطط التي يتم مناقشتها اليوم في غرف صناعة هندسة المواجهة مع الفلسطينيين والمحيط المجاور لاسرائيل، ويدور الحديث اليوم عن تسهيلات لقطاع غزة مقابل رزمة تفاهمات يمكن ان تحصل عليها إسرائيل وأولها انهاء حالة المقاومة الفلسطينية وتصفيتها بالطرق السياسية مع ابقاء الانقسام الفلسطيني على حاله لتحقيق الطموح الاستراتيجي الاسرائيلي، وهو الانفصال الجغرافي والسياسي والفكري الذي تتبناه وزارة الجيش الاسرائيلي بين غزة والضفة..! ولعل هذا جزء من مخطط كبير يجري الآن تنفيذه على مستوى واسع وبدعم امريكي كبير وتسهيلات اقليمية خطيرة ستنكشف ماهياتها في المرحلة المقبلة تحت العديد من المسميات.

من حيث المبدأ لا اعتقد ان اسرائيل لديها أي مانع في تقديم اي تسهيلات لكن بثمن كبير وهو ابقاء الفلسطينيين في كيانين منفصلين ومختلفين فكريا وسياسيا وجغرافيا، ومن ثم التعامل مع كل كيان بطرقة مختلفة، وهذا ما تحدثت عنه وثيقة الجيش الاسرائيلي الأخيرة الذي قسم فيها المنطقة المحيطة بإسرائيل الى ثلاث حلبات صراع، تأتي الحلبة الفلسطينية في المرتبة الثانية وهي الأكثر نشاطا والأقل قابلية للانفجار وتشمل المنظمات الفلسطينية في غزة مع ضرورة  توظيف كل الوسائل والادوات والخطط  للفصل الجغرافي والاجتماعي والفكري بين كيان غزة والضفة..! لذا فان اسرائيل اليوم يمكن ان تتعامل مع غزة انسانيا وتصادق على أقل الخطط ضررا لها والتي لا تقوي التنظيمات في غزة بقدر من تبقيها غير مهددة لأمن اسرائيل، بل وقادرة على ادارة القطاع والدفع باتجاه الانفصال السياسي والجغرافي التام. إسرائيل لها خطة، ومصر لها خطة والامم المتحدة (ميلادينوف) لها خطة، وكل الخطط الثلاث لا تبتعد كثيرا عن العامل المشترك وهو تحفيف حدة المعاناة عن القطاع ونزع فتيل الانفجار.. هذا المعلن اما غير المعلن باعتقادي هو خطة اسرائيلية امريكية اقليمية تم بلورتها من الخطط الثلاثة لأخذ القطاع بعيدا عن المستوى الرسمي الفلسطيني واعتماده ككيان فلسطيني مستقل تهيئة لتنفيذ مخطط "صفقة القرن" التي تعتمد في محتواها على الحل للصراع بدولة فلسطينية مؤقتة مع اجزاء من سيناء يكون مركزها غزة وليس الضفة الغربية.

لا اعتقد ان الكابينت الاسرائيلي سيصنع لنا شيئا يمكننا من فلسطين التاريخية لا وحتي اراض العام 1967 او يخفف عنا آلام الحصار وأوجاع الاحتلال الا في اطار "صفقة القرن"، ولا اعتقد ان الكابينت الإسرائيلي سيقبل أي خطة تطرح إلا اذا كانت هذه الخطة تتماهي مع مصلحة اسرائيل الاستراتيجية في بقاء غزة ككيان منفصل يتم التعامل معه بالطريقة التي تفرضها الوقائع على الارض.

الكابنيت الاسرائيلي هو عبارة عن مؤسسة أمنية اسرائيلية متخصصة في صناعة الخطط التي من شأنها اضعاف الوجود الفلسطيني وتشتيت فكرهم السياسي وتمزيق اساليب التعامل معهم.  والمعروف ان هذه المؤسسة تتلقى الدراسات الوافية من مراكز الابحاث المتخصصة حول متغيرات المشهد الفلسطيني وسياسات كل فصيل واتجاهات السلطة الفلسطينية ومدى قدرتها على تحقيق الهدف الكبير للشعب الفلسطيني وقدرتها على العمل دون وصاية من الاحتلال وباستقلالية تامة. وحتى ان هذه المراكز ترسل للكابينت ما يدور بالشارع الفلسطيني من احاديث وتوصيف دقيق لمستوى الفقر والبطالة ومستوى الفوضى والجريمة ومستوى الاحباط العام  ومستوى الغنى والثراء ومستوى الفساد في المؤسسات الرسمية والفصائلية. كما وتتحدث الدراسات عن مستوي تأثير الاعلام الفلسطيني الرسمي والفصائلي على المواطن العادي ومدى قبول المواطن للرسالة الاعلامية الحزبية او الرسمية. بل ان تلك المراكز ترسل كل صغيرة وكبيرة لتبني عليها اسرائيل خططتها. وكل دراسة مرفقة بالتوصيات التي يتوجب على الكابينت  الاسرائيلي تحقيقها.

بصراحة ما يجري الآن من نقاشات لموضوع التسهيلات الانسانية في واشنطن والأمم المتحدة والقاهرة والكابينت مبني تماما على توقف مباحثات انهاء الانقسام بين "فتح" و"حماس"، ومبني تماما على ما اتخذ من اجراءات من قبل السلطة ضد غزة، ومبني تماما على ما تحاول "حماس" دراسته من افكار لإنشاء مؤسسات سياسية لتكون بديلة عن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية..! وبصراحة اقول نحن الفلسطينيين من يعطي اسرائيل مفاتيح اغلاق الأبواب علينا ومن يمهد للإسرائيليين الطريق للقضاء على مشروعنا الوطني واحباط حلمنا في دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس التي باتت خارج الحديث السياسي مقارنة مع الحديث الدولي والاقليمي عن غزة..!

اذا كنا كفلسطينيين ننتظر التسهيلات الانسانية التي تناقلتها وسائل الاعلام عن مسؤولين إسرائيليين او دوليين او أي تفاهمات اقليمية قد تنقذ غزة بعيدا عن أي وحدة وطنية وبعيدا عن انهاء كامل للانقسام وبالتالي نؤجل مصالحتنا ووحدتنا الفلسطينية والاعتماد على بعضنا البعض وتقوية صفوفنا فاننا نكون قد صدقنا الوهم وذهبنا بأقدامنا للهلاك، لأننا بهذه الطريقة نكون قد قدمنا ما تريده اسرائيل وامريكا وبعض المتساوقين والعرابين لـ"صفقة القرن" وهان علينا الدم وهان علينا الوطن وهانت علينا القدس، وحينها يتأكد ما كنت أحذر منه، وهو ان الاحتلال تمكن من فكرنا الوطني واستولى على قدراتنا الوطنية وبدأ يديرها بطريقة ذكية ويهندس الحلول التي تخدم مصالحه واهدافه وتحقق مخططات الادارة الامريكية وصفقتها المشبوهة دون ان تشكل معارضتنا ورفضنا لهذه الصفقة اي عائق لتحقيقها وتطبيقها الذي بدأ على ارض الواقع..!

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com