2018-06-13

لماذا لا نتعظ من نجاح نشاط حملة المقاطعة (BDS) دوليا ونقلدها داخليا؟!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

حفلت الأيام الأخيرة بإنجازات كبيرة لحملة مقاطعة إسرائيل "بي دي إس"، إنجازات تركت آثارا عميقة في المجتمع الإسرائيلي بل هزته هزا عميقا. فمن عدم حضور الفريق الأرجنتيني بنجمه ميسي للعب في القدس واستادها، وضرب ميري ريغف في الصميم كوزيرة للثقافة، إلى قرارات مجلس بلدية برشلونة الإسبانية وبولونيا الإيطالية ومقاطعة سياسة الحرب الإسرائيلية، إلى مقاطعة مهرجان الأفلام في تل أبيب، إلى مزيد من الأنشطة الدولية  لمقاطعة الإقتصاد الإسرائيلي الإحتلالي الجامعي الأكاديمي الثقافي، حركة لا تتبع العنف منهجا ولا تتبع السلبية طريقا، بل حراك إيجابي يزلزل الأرض التي تقف عليها السياسة الإسرائيلية.

أثبتت منظمة الـ"بي دي إس" قدرة ونشاط متميزين على ما لم تقدر عليه جيوش مدججة بالسلاح.. أثبتت أن الإقناع والضغط والنشاط والمثابرة دوليا، سبيل هام جعل الدولة الإسرائيلية ترتعد فرائصها وتقوم بسن قانون لمعاقبة هذه الحركة وحظر أنشطتها، ومنع القائمين عليها ونشطائها من دخول الدولة الإسرائيلية بل وتجريم أنشطتها من خلال سن قوانين وبخاصة عام 2011. بهمة ونشاط متميزين قامت هذه المنظمة بعمل لم تستطع دول القيام به رغم ملاحقتها دوليا بحجة اللاسامية والتحريض على الدولة الصهيونية.

بقدرات بسيطة وبعقلانية شديدة، ولكن بنشاط عال وتفعيل إمكانياتها المتواضعة، استطاعت هذه المنظمة فرض وجودها على الساحة الدولية وشلت أنظمة إسرائيلية استيطانية كثيرة على صعد متعددة اقتصادية وثقافية وأكاديمية، بنوك وكنائس واتحادات ومجالس بلدية وشركات وأجهزة إعلام. دول عاجزة ان تجاري نشاط هذه المنظمة الفاعلة بل تقف منها موقفا سلبيا. منظمة تستأهل كل تحية وتقدير من الشعب الفلسطيني على مجهوداتها ونشاطها من أجل الشعب الفلسطيني وحقوقه الثابتة.

فهذه المنظمة تدعو صراحة إلى الإعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وعلى رأسها الحق في العودة، وتدعو إلى إنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، وتنادي بوجوب التزام إسرائيل بتطبيق القانون الدولي واحترام قواعده. منظمة استلهمت من تحرير جنوب أفريقيا وعدم التمييز العنصري درسا، وسعت إلى تحقيق أهدافها عن طريق غير العنف.

استطاعت هذه المنظمة التي أسست عام 2005 من اكثر من 170 منظمة غير حكومية فلسطينية، أن تضم إلى نشاطها منظمات دولية كثيرة متواجدة في القارات الخمس سواء في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية وأوروبا وافريقيا، بل زادت هذه المنظمات عن عشرين مكونة من كنائس واتحادات جامعية ونقابات عمالية وحركات يهودية تقدمية، في أغلب التقديرات وهي تزداد استقطابا لمؤيدين ومناصرين من أرباب الفن والدين والسياسة . وميثاقها يقرر عدم عنصريتها او لاساميتها او تمييزها وتعتمد حقوق الإنسان ميثاقا ونهجا.

إذا كان هؤلاء المناصرين وبقدرات محدودة  ودونما تمويل ملموس، استطاعوا هز عرش القوة الباطل، وجعلت الحكومة الإسرائيلية تعقد الإجتماعات المتوالية، وتستقدم الخبراء، وتستعين بالكونجرس الأمريكي والأصدقاء، لوقف ومحاربة هذه الظاهرة المقلقة. وقد فشلت هذه الأساليب والتكتيكات في وقف نشاط هذه المنظمة بل زادها قوة ونشاطا واتساعا وزخما.

السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا ينجح هؤلاء ونفشل نحن؟ لماذا يسعى أشخاص مناصرون للقضية الفلسطينية معظمهم من الأجانب، للعمل والنشاط بدون كلل أو ملل من أجل القضية الفلسطينية، بينما يغط كثير من الفلسطينيين في سبات عميق ولا يتخذون خطوة واحدة من أجل التحرير. لماذا يتم النشاط خارجيا على أيد فلسطينية أو غير فلسطينية يصيب النجاح، بينما يفشل في كثير من الجزئيات المحلية.

سؤال محير لماذا لم تنجح كل دعوات المقاطعة للبضائع الإسرائيلية حتى الآن، لماذا تفشل كل تلك الدعوات إلا جزئيا. لماذا لا نترجم نجاح الـ"بي دي إس" دوليا إلى نجاح محلي. هل يكفي أن نسّر ونستمتع بتلك الضربات التي تلقاها إسرائيل من المجتمع الدولي وتحديدا الـ"بي دي إس". ولماذا لا نساهم بعمل مماثل على الساحة المحلية، ألا يجب أن يشكل عمل الـ"بي دي إس" حافزا لنشاط الداخل وبخاصة أنه عمل إيجابي غير سلبي وغير عنيف. لماذا هذا الإنطواء والسلبية من كثير من الفلسطينيين لأمر قادرين عليه وفي مكنتهم. حتى مقاطعة بضائع المستوطنات الإسرائيلية لم نستطع إنجاح هذا الأمر الهام ونظل نثرثر عن الوطن بدون فعل مقاوم. ووصل الأمر ببعض الفلسطينيين المتاجرة بدم الفلسطينيين من بضائع استيطانية منتهية الصلاحية وفاسدة دونما رادع وجزاء فعال.

دفع الفلسطينيون الكثير من دمهم المقدس، ثمنا لحريتهم ونيل حقوقهم السليبة وما زالوا يدفعون. استشهد الكثيرون وجرح الكثيرون وعانى الكثيرون، إلا أن انبثاق الفجر والخلاص من الإحتلال،  ليس بأمر السهل ويحتاج لمجموعة أنشطة وسيل من المقاومة في كل أشكالها المشروعة. ولم يتحرر شعب من نير الإحتلال والإستعمار والأبارتهايد ببساطة بدون الإلتجاء لكافة اساليب المقاومة بدون استثناء.

أساليب المقاومة المشروعة عديدة، لكن أهم شيء فيها المشاركة الجماهيرية الواسعة فيها وعدم استبعاد جزئية منها بل حشد جميع التفاصيل لإرهاق الخصم وجعله يدفع ثمنا غاليا، فمن ثمار الرجال تعرف أفعالهم. وعلى الداخل أن يعي ويستوعب وينقل تجربة الخارج فكما تزرع تحصد والتقطر المتواصل يبلي حجرا..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com