2018-10-23

"التاجر" ترامب وخُطة التَشَدّد والإغراء..!


بقلم: فراس ياغي

التاجر المِفرد كي ينجح في تجارته يفكر بكيفية تسويق بضاعته للزبائن معتمدا مفهومي الربح والخسارة في حدودها الدنيا في حين تاجر الجملة يراها بمنظار أشمل ويحاول إحتكار البضاعة ليتحكم في السوق ويحدد الأسعار، أما أصحاب المليارات فطريقتهم تختلف لأن مفهوم البزنسس يعتمد مفهوم الصفقة التي تجلب الأرباح الوفيرة غالبا ومن النادر أن يُقدم على صفقة تحمل في طياتها الخسارة المُحقّقة إلا إذا كانت مُقدمة لصفقة أشمل فيها رِبح مضاعف لتعويض الخسارة.

رئيس البيت الأبيض السيد "ترامب" يرى الحياة كلها صفقات، لذلك يعتمد في سياسته الخارجية ومهما كانت طبيعتها مفهوم التبادل المرتبط بالمال أولا وأخيراً، هو يَزعم أنه يحمي دول الخليج والسعودية، فيطلب المال مقابل ذلك، رغم أن بإمكان روسيا والصين حمايتها مثلا، بل لدى دولة كالمملكة العربية السعودية إمكانيات هائلة لتحمي الوطن العربي ككل وليس السعودية لوحدها فحسب، وفقط ومن خلال مفاهيم إقتصادية، ويكفي أن تُغيّر العملة من دولار إلى أي عملة أحرى في بيعها لنفطها الخام، إذا ليست المسائل إبتزاز وصفقات فقط بقدر ما هي توجهات سياسية مرتبطة بطبيعة نظام الحكم القائم وخوفه مما قد تفعله أمريكا كونها تعتقد أنها القوة الشرطية الأولى في العالم بما لديها من قوة نارية وفائض قوة لا يستهان بها، على الرغم من أن الأمور وبعد الحرب العالمية الثالثة على سوريا قد تغيرت بالحضور "البوتيني" الروسي.

الصراع العربي الإسرائيلي وفي مركزه القضية الفلسطينية يراها السيد "ترامب" بمنظار تاجر المِفرد ويبذل جهده لتسويق بضاعته، فيُعطي هذا علنا سفارة في عاصمة غير محددة الحدود، ويُعلن أن "القدس" تم إزاحتها عن طاولة المفاوضات، ويُغلق ممثلية منظمة التحرير في واشنطن، ويُلغي دعمه لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين ويقطع المساعدات عن السلطة الوطنية ويبذل الجهد في ما يُسمى الحل "الإنساني" لقطاع غزة، وكل هذا لتسويق بضاعته لزبونه "بيبي" واليمين الإستيطاني الإسرائيلي.. في نفس الوقت يُعلن هو وصهره السيد "كوشنير" أن خطة السلام الأمريكية سوف تحوز على رضا الفلسطينيين، وأن "القدس" ستكون عاصمة لدولتين، وأنه يستطيع التشدد مع "نتنياهو" لأنه يُعطيه خمسة مليارات دولار سنويا ولأنه نقل سفارة واشنطن "لأورشليم" كما قال للسيد "ماكرون" رئيس جمهورية فرنسا.

من الواضح أن السيد "ترامب" وعبر تغريداته التويترية يتلاعب بالمصطلحات والأسماء لكي يُسجل لنفسه أولا أنه قام بحل أعقد مشكلة في التاريخ المعاصر والمُتَمَثّلة بموضوع الصراع الإسرائيلي العربي وجوهره الحق الفلسطيني في الدولة وتقرير المصير، فيقوم بالتشدد هنا وبالإغراء هناك.. وبعد تشددّه تجاه الفلسطينيين وإغراءه لليمين الإسرائيلي، بدأ مرحلة الإغراء للفلسطيني والتهديد بالتشدّد تجاه الإسرائيلي.

"ترامب" يرى أن "القدس" تحتلف عن "أورشليم"، فالقدس ممكن أن تكون عاصمة لدولتين، في حين "أورشليم" هي العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل، المشكلة هنا أن حدود المُصطلحين غير واضحة، ويبدو أن إيضاحها سيكون وفقا للمفاوضات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، كما أن "الحوض المقدس" (جبل الهيكل) "البلدة القديمه" ووادي سلون، الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة، غير معروفة وفقا لخطة "ترامب" هل هي في "أورشليم" أم في "القدس" التي هي للتفاوض؟

أما موضوع اللاجئين فقد حُسم أمره بالنسبة للسيد "ترامب" فهم خمسين ألفاً ويمكن عبر التفاوض تحويل قضيتهم إلى "لم شمل" للعائلات وباقي الملايين توطين وهجرة لدول مُحددة تستوعبهم كأستراليا وكندا مثلا، في حين الحدود ستكون وفقا للمتطلبات الأمنية لإسرائيل وهنا الإستيطان سيرتبط بمفهوم تبادل الأراضي وتوسيع غزة جغرافيا، والأمور الأخرى كالمياه فهناك حلول خَلاّقة سترتبط بالمشاريع الإقتصادية الكبرى في المنطقة بدعم دولي وخليجي وسعودي والتي ستشمل أيضا الأردن ومصر.

إذاً، التاجر "ترامب" يعتقد بقوة أن المسائل ليست حقوق غير قابلة للتصرف، ولا يرى مفهوم الدولتين وفقاً للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة، بل هي بضاعة لم تجد التاجر الجيد ليُسوّقها لدى مُختلف الأطراف وبالذات الفلسطيني والإسرائيلي، هو لا يرى أن اليمين الإسرائيلي ينظر للضفة الغربية بما فيها القدس أرض "توراتية" لا تُقسّم، وأن الحلول لديه تتعلق فقط بمحاصرة الديموغرافيا الفلسطينية فيها في "كانتونات" و"معازل"، وأن الدولة الفلسطينية فقط في "غزة"، فتاريخهم العبري وعبر توراتهم يُشير إلى أن "غزة" كانت للفلسطينيين، متجاهلين أن توراتهم كتبت أيضا أن مُدن "عسقلان" و"أسدود" و"عقرون" على الساحل و"جت" في الهضاب السفلى أيضا كانت فلسطينية، أما النظرة الفلسطينية فترى أن مُجرد الموافقة على مفهوم الدولتين والتنازل عن 78% من فلسطين الإنتدابية والتاريخية يُعتبر صفقة رابحة للجانب الإسرائيلي وتسوية تُنهي صراعا يتجاوز عمره سبعة عقود.

لست في معرض الحديث التاريخي ولا الديني ولا كمفهوم حقوق، لكن المسألة أن الجانب الفلسطيني قدّم تنازلات كبيرة ووافق على 22% من جغرافية فلسطين كمكان للدولة وحتى أنه وافق في المفاوضات على مفهوم  الـ “SWAP” (تبادل الأراضي)، ولم يبقى شيء أصلاً للتنازل عنه، في حين إستغلت إسرائيل اليمينية إتفاق "أوسلو" لتسيطر على 45% من الضفة وتُهوّد القدس وتنسف أي إمكانيات للسلام الحقيقي والتعايش في دولتين مُتعاونيتن في كل شيء.

لن يكون هناك حظ للتاجر "ترامب" ولن تكون خطته سوى إدارة جديدة للصراع لحين إقتناع الطرفين بأن مفهوم الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية هو الحل الممكن واقعيا وعمليا، وغير ذلك لن يكون سوى مقدمات لصراع أكثر دموي ولِـ "جونيسايد" على الطريقه اليوغسلافية، سيبدأها المستوطنون المتطرفون في الضفة الغربيه والقدس مستقبلا.

الشعب الفلسطيني وقواه المركزية وقياداتها الرسمية وغير الرسمية عليها أن تتوحد وتُنهي الإنقسام وأن لا تكون السبب في تسريع النكبة الثالثة والتطهير العرقي الذي يُعشعش في رأس اليمين المتطرف في إسرائيل، أما التاجر "ترامب" فليعن خطته كما يُريد وبعدها لكل حادث حديث، خاصة أن الرفض سيأتي من اليمين الإسرائيلي الإستيطاني وعلى رأسه "بيبي" قبل الفلسطيني.

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - Firas94@yahoo.com