2018-11-11

وجع القدس.. حقيقة أم مبالغة؟ (2)


بقلم: زياد أبو زياد

قلت في الأسبوع الماضي إن في القدس العديد من الكفاءات الشابة التي تملك من الكفاءة والقدرة ما يدعو للإنبهار ولكنها لم تأخذ نصيبها في المشاركة باتخاذ القرار أو في العمل وخاصة فيما يتعلق بالقدس، ويشعرون بأنهم معزولون عما يجري بشأن مدينتهم ربما بسبب تحكم الاعتبارات الحركية والتنظيمية في اختيار من يوكل لهم أمر الإشتغال بالوظائف العامة بما في ذلك الاشتغال بهموم القدس وأمورها، وعدم انفتاح صناع القرار على المجتمع المقدسي الحقيقي الواسع غير المؤطر بأطيافه وطاقاته وإمكانياته المختلفة.

ومن البديهي أن يسهم مثل هذا الوضع في خلق شعور لدى الأجيال الشابة في القدس، وأقصد من هم دون الخمسين، بأن القدس مهمشة وليست على جدول أعمال السلطة. وآسف للقول بأن هذا الشعور في تنام مستمر ويتم استغلاله بحسن نية أو سوء نية لتعميق الفجوة بين المجتمع المقدسي وبين قيادته الوطنية ممثلة بمنظمة التحرير التي أصبحت تطل على الناس في حياتهم اليومية من خلال وجه السلطة الفلسطينية التي توجه اليها الكثير من الإنتقادات بعضها بحق وبعضها بغير وجه حق. فالإحتكاك في الشؤون الحياتية هو مع السلطة وليس مع المنظمة وبالتالي فإن الناس تصب غضبها أو عتبها على السلطة.

إن من أبرز الإتهامات الموجهة للسلطة الفلسطينية هو القول بأن القدس مهمشة ولا تأخذ نصيبها من موازنات السلطة وبرامجها. وأن هناك مرجعيات متعددة للمدينة وأن هناك تصارع وتنافر بين هذه المرجعيات وبالتالي شح في مواردها جميعا ينعكس على أدائها والمطالبة بتوحيد هذه المرجعيات.

فهناك وزارة شؤون القدس ومحافظة القدس والمؤتمر الشعبي للقدس ودائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية ووحدة القدس في مكتب الرئيس ولجان القدس في المجلس التشريعي والوطني والمركزي ومسميات أخرى كثيرة، ويسمع المقدسيون بأن هناك عشرات وأحيانا مئات الملايين التي يتم "التبرع" بها للقدس ولكن القدس لا ترى شيئا. 

ومع أن كل من له دراية بالأمر يعرف بأن كل هذا الحديث عن الملايين لا أساس له وأن لا شيء يصل منها للسلطة التنفيذية إلا أن المواطن العادي لا يعرف ذلك وربما لا يريد أن يعرف وكل الذي يسيطر على ذهنه وتفكيره هو كيف يمكن أن يأخذ حصته من هذه الملايين.

وللأسف الشديد فإن تعدد الأجسام أو المرجعيات التي تتعامل مع القدس وبميزانيات شحيحة جدا ً ينعكس سلبا ً على المقدسيين وعلى علاقتهم وموقفهم من السلطة الفلسطينية.

والطريف بهذا الصدد أن الذين يتحدثون عن تعدد المرجعيات في القدس ويطالبون بتوحيدها هم أنفسهم الذين كانوا ينتقدون تولي الأخ عدنان الحسيني مناصب وزير شؤون القدس ومحافظ القدس ومسؤول دائرة القدس في منظمة التحرير الفلسطينية الى أن تم الفصل بين الوزارة والمحافظة وهو الأمر الذي زاد عدد المرجعيات في القدس.

وأنا أتفهم المطالبة بتوحيد المرجعيات ولكنني أيضا ً أقول بأنه وعلى طريق توحيد هذه المرجعيات لا بد أولا ً من توصيف وظيفي لكل مؤسسة تعمل بالقدس والفصل بينها على أساس التخصص ومنع الإزدواجية والدمج بين جميع المرجعيات التي تعمل بنفس المجال. فمثل هذا الفصل والدمج يؤدي أولا ً الى ترشيد الجهاز الإداري وزيادة فعاليته من خلال إعطاء العمل لذوي الإختصاص، كما سيؤدي الى وقف الصراع والمناكفة بين عدد من هذه المرجعيات ذات الإزدواجية في العمل.

فهناك في القدس العديد من الملفات التي لو تم الفصل بينها، وتكليف كل جسم بتولي ملف معين من خلال طاقم مهني متخصص لاستطاع كل جسم أن يتفرغ لعمله ولن يجد لديه الوقت للتناحر مع أحد.

إن ملف الإسكان مثلا، هو من أهم الملفات بالقدس وأكثرها إلحاحا ً فما الذي نعمله لحل مشكلة الإسكان وهل من المجدي أن يتدخل في هذا المجال من يفهم في الصحة أو السياحة أو التعبئة والتنظيم أو التعليم مثلا ً ولكنه لا يفهم شيئا ً في الإسكان؟ ولماذا لا يكون هناك جسم متفرغ من المهندسين والفنيين والمقاولين والمحامين يتولى فقط معالجة موضوع الإسكان ولا يُسمح لأحد من خارج هذا الجسم التدخل في موضوع البناء والإسكان ويكون لدى هذا الجسم دوائر تتوزع بينها مهام التخطيط والحصول على رخص البناء وايجاد مصادر التمويل ووضع سياسات الإقراض وتولي الشؤون القانونية الى غير ذلك مما يقتضيه عملها من مهام.

والذي قلته عن الإسكان ينطبق على الصحة والسياحة والتعليم والتجارة وكل مناحي الحياة الأخرى. فإذا تمت إعادة فرز المؤسسات العاملة بالقدس على أساس التخصص عندها يمكن أن يكون هناك سقف واحد تعمل تحته هذه المؤسسات يتولى التنسيق بينها ورفدها بما يلزمها من موارد مالية وكفاءات مهنية تدعمها في القيام بالمهام المناطة بها دون تدخل من أية جهة خارجية ونكون بذلك قد حققنا توحيد المرجعيات من خلال توزيع التخصصات بينها ووضعها تحت سقف واحد.

إن استمرار الوضع الحالي في القدس حيث تريد كل جهة أن تتدخل في كل شيء وتنتهي بعمل لا شيء سيزيد من حالة البلبلة والضياع التي يشعر بها المقدسيون ويمهد لظهور بعض الأعراض السلبية التي سيعاني منها الجميع.

فالقدس، وبشكل خاص منذ بناء الجدار باتت معزولة عن عمقها الفلسطيني أكثر مما كانت، وأدى هذا العزل الى استفراد الاحتلال بأهلها للتنكيل بهم من خلال التعسف في جباية الضرائب والرسوم والغرامات والمخالفات وهدم المنازل والإعتداءات المتكررة على الأقصى وما الى ذلك من ممارسات. وأدى هذا العزل والإستفراد الى شيوع حالة الإحباط بين الناس وفقدان الثقة بالسلطة بل وبمستقبلهم السياسي واستقرارهم الإجتماعي وهم بحاجة ماسة الى إعادة الثقة بينهم وبين عمقهم الفلسطيني ورؤيتهم المستقبلية لمصيرهم واستقرارهم.

والمقدسيون يتطلعون الى التعامل الجدي والمسؤول مع مشاكلهم ومثل ذلك لا يمكن أن يتحقق من خلال أسلوب العمل الحالي. فالحاجة هي الى خطة عمل والى اجهزة متخصصة والى عدم التداخل في الصلاحيات والى شبكة تكمل بعضها البعض بروح المهنية والتعاون وتوفر الإمكانيات المالية اللازمة لا الإزدواجية والتناحر وشح الموارد. فهل يمكن أن يتحقق ذلك؟

* الكاتب وزير سابق ومحرر مجلة "فلسطين- إسرائيل" الفصلية الصادرة بالإنجليزية- القدس. - ziad@abuzayyad.net