2019-01-11

المصالحة والكذب السياسي..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

أقصد بعنوان المقالة السياسيين وما يدلون به من تصريحات، وكل منهم يؤكد تمسكه بالمصالحة، وانها خيار حتمي، ولا مستقبل لنا إلا بالمصالحة. وإذا كان هذا صحيحا فلماذا التوغل بالإنقسام وبالقذف بالإتهامات؟ كل فريق يقول، وبألفاظ خارجة عن قيمنا الوطنية، أن الطرف الآخر لا يريد المصالحة، وكل منهما، وأقصد قادة الحركتين "فتح" و"حماس" يتهم الفريق الآخر بالكذب.

من الصادق ومن الكاذب؟ ونصدق من؟ أرى ان نعرض هؤلاء على جهاز كشف الكذب، حتى نتيقن من هو الكاذب ومن هو الصادق. ويعرف جهاز الكذب باسم "البوليغراف"، وهو جهاز يخضع إليه المتهم، وكلنا متهمون، لكشف كذبه من صدقه، ويعتمد على ردود الفعل الفسيولوجية، ومعدلات النبض والتنفس والضغط.

والكذب عموما ظاهرة عامة توجد في كل البشر، ولكنها لدى أهل السياسة شائعة، فمن المقولات المشهورة عن السياسي أو الدبلوماسي: إذا قال نعم فهو يعني ربما، وإذا قال ربما فهو يعني لا، وإذا قال لا فقد أخفق أن يكون سياسيا.

وفي أدبيات السياسة تثير العلاقة بين الأخلاق والسياسة إشكاليات كثيرة، ووفقا للمدرسة الواقعية أو الميكافيلية فإن لا دور للأخلاق في السياسة، وأن "الغاية تبرر الوسيلة"، وعليه إذا كان الهدف هو السلطة والحكم فكل الوسائل والمبررات متاحة من كذب وقمع وقتل وتجويع وحصار وإعتقال. والسياسي الناجح هو الذي يجيد مهارة الكذب، اي عندما يحدث وكأنه يقول الصدق تماما، لا تظهر عليه علامات التردد او التلعثم كما لدى الكثير منا.

والكذب درجات، ولكن أخطرها كارثية الكذب السياسي، لأن السياسي عندما يكذب فالذي يدفع ثمن كذبه الشعب، غايته البقاء والحفاظ على مصالحه ووسيلته الكذب، والشعب من يدفع تداعيات هذا الكذب. وبدلا من قاعدة البقاء للأقوى نقول البقاء لمن يجيد الكذب. والسياسي الكاذب يبيع الوهم للناس، ولديه القدرة على إقناع الآخرين بحجج تبدو منطقية ظاهريا ولكنها فارغة المضمون. والكذب، ورغم مهارات السياسي، لا بد أن ينكشف وخصوصا مع شعب واع ناضج كالشعب الفلسطيني. والكذب كما يقال حباله قصيرة، ولا بد أن ينكشف الكاذب ويدفع ثمن كذبه ويلفظه شعبه. وكما يقول الرئيس إبراهام لينكولن: تستطيع أن تخدع الناس بعض الوقت أو بعض الناس كل الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت. ويقال أيضا الكذبة لا تعيش حتى تصبح عجوزا.

ومنذ الإنقسام والفرقاء السياسيون يدلون بتصريحات متناقضة وينفون عن أنفسهم الإتهامات، ويكذبون على الشعب، وإذا كانوا صادقين مع شعبهم لماذا وقعوا العديد من معاهدات المصالحة؟ ومن أفشلها؟ ألا يحترمون المواثيق والعهود؟ الا يحترموا ما وقعوا عليه؟ هم يكذبون علينا.. نعم، أين وعودهم الدائمة لشعبهم؟ لنتذكر الانتخابات والوعود التي وعدوا بها؟ السياسيون لدينا يمارسون السياسة بفن الممكن، وبالسياسة الميكافيلية "الغاية تبرر الوسيلة"، ولا مكان للأخلاق والطهارة السياسية.. السياسة لديهم مغانم ومكاسب ومحاصصة، وتوزيع غنائم محصورة في دائرة ضيقة..! قد ينبري أحدهم ويقول هذا إفتراء، وردي، وهو رد المواطن العادي: كم من السنين وأنتم تحكمون، وهل تعانون مثل بقية أبناء الشعب، وأين أبناءكم؟ وهل لديكم إستعداد لكشف ما تملكون من ثروات؟ وكم جنسية تحملون؟ وهل أنتم مستعدون للجلوس على كرسي الإعتراف؟

أنهي مقالتي بقوله تعالى: ويحلفون على الكذب وهم يعلمون.. وقوله تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا، ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون. صدق الله العظيم.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com