2019-01-19

فلسطين وإسرائيل: صراع وتعايش الجغرافيا..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

قد تثير هذه المقالة وموضوعها بعض الإشكاليات والنقد الذي قد يذهب بعيدا. لكني في هذه المقالة أحاول ان افكر كما يقال خارج الصندوق، او خارج العوائق الأيدولوجية، وموانع السياسة، وخارج منظومة القيم التي تحكمها الكراهية والحقد والثأر والرفض وتصل في منتهاها للرغبة في القتل والتخلص من كل طرف.

وفرضيتي في هذه المقالة أنه على مدار أكثر من سبعين عاما من الحروب والصراعات والدماء التي سالت، وستسيل اكثر وأكثر مع إستمرار الصراع بين الطرفين أن خيار الحرب والتفكير في الإقصاء والإلغاء قد أثبت عدم فعاليته في صراع حله يكمن في البحث عن المشتركات.. والسؤال هنا هل فكرنا جديا في حل الصراع؟ وبأي الوسائل والآليات؟ وهذا ما أريد أن أستبق واضعي "صفقة القرن" في الحديث عنه، وما إذا كانوا فعلا حريصين فعلا على إنهاء الصراع.

إنهاء الصراع يحتاج لقراررات شجاعة، وثورة في منظومة القيم الحاكمة للسلوك السياسي للفلسطيني والإسرائيلي، ودور أكبر لدول المنطقة واقصد العربية صاحبة "المبادرة العربية". المدخل للحل سيكون بلا شك عبر الجغرافيا، المكان الذي يتمسك فيه كل طرف ويريد أن يعيش فيه ويعبر عن هويته الوطنية. وإذا كان هذا مقبولا، وينبغي التسليم به، فيبقى السؤال هذا المكان او الجغرافيا الواحدة والتي لا تقبل القسمة جغرافيا وطبيعيا، وتفرض التداخل والتعايش والتكامل، يمكن لي أن أتصور ان السياسة قابلة للتجزئة والإنقسام والإختلاف، لكن الجغرافيا وفي الحالة الفلسطينية - الإسرائيلية لا تقبل التجزئة..!

لا احد ينكر ان إسرائيل دولة، وأن الفلسطينيين إعترفوا بها كدولة، وغيروا من بنود الميثاق الوطني لهذا الغرض. ولا ابالغ إذا قلت أنه في السنوات الأولى لعودة السلطة كانت هناك صور كثيرة للتعايش، ولم تكن الجغرافيا عائقا في الحراك البشري في كل إتجاه، وقد حكى لي الكثيرون أن لهم أصدقاء من اليهود، وأصحاب عمل، وكانوا يحضرون مناسباتهم ويبعثون لهم بالهدايا.

في داخل إسرائيل المكان والجغرافيا حكمت العلاقة او تحكم العلاقة الآن بين أكثر من مليون عربي فلسطيني يعيشون في داخل إسرائيل ويحملون جنسيتها ويتمتعون ببعض الحقوق، ولا أقول كل الحقوق، لكن لهم تمثيل في الكنيست، وتوجد بلا شك صور كثيرة للتعايش، ولا أريد ان أذكر ان إسرائيل، وهذا ليس دفاعا عنها كسلطة ودولة إحتلال، عندما إحتلت كل فلسطين وضمت الضفة الغربية وغزة لم تكن هناك أي حواجز وحدود جغرافية، وبصورة او بأخرى تحققت فكرة الدولة الواحد.

اليوم على أرض فلسطين في الضفة الغربية وغزة يعيش اكثر من أربعة ملايين تحت الإحتلال، يعيشون في نفس المكان ولا يمكن تصور ترحيلهم أو نقلهم أو منحهم جنسية أخرى. هذه حقيقة جغرافية وبشرية تنقصهم الدولة المعبرة عن هويتهم الوطنية، لديهم ولو قليل من التعاملات مع إسرائيل في العديد من المجالات، وفي المقابل هناك اكثر من ستة ملايين إسرائيلي يعيشون على ما يعرف الآن بدولة إسرائيل، ولا يمكن تصور إخراجهم او طردهم وإحلالهم بالفلسطينيين.. هذه حقائق الجغرافيا والديموغرافيا. الشعبان يعيشان على نفس الجغرافيا ولا يمكن لأي منهما طرد الآخر، ولا يمكن لإسرائيل ان تبقى للأبد محتلة الشعب الفلسطيني. هما أقرب شعبين في العالم جغرافيا، اقرب من سكان بعض الولايات المتحدة، وكندا. وحتى في الدول العربية ذاتها، لا توجد فواصل ولا مسافات جغرافية بينهما. البحث عن حل يبدأ من هنا. ولتحقيق التعايش والحل لا بد من إعتماد فكرة التوازن والتوافق في الحقوق، وتصحيح معادلة عدم التكافؤ.

وكما ان الجغرافيا تفرض التعايش فلا بد من توفير أسس هذا التعايش بإنهاء الاحتلال، والإعتراف بالفلسطينيين كشعب لهم هويتهم كما الإسرائيليين شعب ولهم هويتهم، وبقيام الدولة الفلسطينية والهدف منها هنا ليس فقط التعبير عن الهوية الوطنيه بل لتكون القناة والآلية التي من خلالها يمكن تحقيق التعايش الجغرافي، فلا أتصور من منظور جغرافي وطبوغرافي وجيوسياسي انه يمكن لهذه الدولة أن تعيش منعزلة عن إسرائيل كدولة كما لا يمكن أن تعيش إسرائيل بأمن وبقاء دون الإعتراف بهذه الحقيقية الجغرافية. وهنا لا بد أيضا من نزع كل التخوفات لدى إسرائيل من حيث الأمن والبقاء، فعقدة إسرائيل الكبرى هي الأمن، وهل حققت إسرائيل أمنها وبقاءها بعد أكثر من سبعين عاما؟ وهنا السؤال كيف يمكن للدولة الفلسطينية ان لا تشكل مصدرا للتهديد، ويمكن ان تتحول لدولة وظيفية سلميه ديمقراطية تحكمها مشاريع إقتصادية وجغرافية كبيرة مع إسرائيل من خلالها يمكن إحلال مفاهيم وأطر جديدة للتعايش المشترك. 

العملية السلمية والتعايش تحتاج لإطار إقليمي ودولي اوسع ولإستثمار إقتصادي كبير يشعر به المواطن الفلسطيني الذي ينبغي ان يكون هدفه وحقه أن يصل لنفس المستوى الذي يعيش فيه الإسرائيلي.

وهذا يقودنا للمبدأ الثالث وهو مبدأ توسيع دائرة الحقوق الإنسانية والآدمية التي يمارسها المواطن الفلسطيني، وان يشعر أن السلام يترجم في ممارسات وسلوكيات على الأرض،  ويقيني ان هذا أحد أهم المداخل لحل الصراع، وتحقيق التعايش المكاني والجغرافي. وهذا السلام يحتاج لأرضية ومرجعية واسعة من منظومة القيم التي تنبذ العنف والقتل والكراهية والحقد وتدعو للتعايش والتآخي، وان تتحول فلسطين الجغرافيا لأرض للحوار الديني والفكري والثقافي والتسامح.

الحل يحتاج للتخلص من عبئ التاريخ والأيدولوجيا والتوظيف السياسي للدين. بهذا يمكن أن تتحول إسرائيل وفلسطين لنموذجا للتآخي والتعايش بدلا من الحروب والقتل والعنف، والقضية تحتاج مزيد من التفاصيل والنقاش..!

هي دعوة للتعايش والتآخى الذي تفرضه الجغرافيا الواحدة، يبقى كيف نحول الجغرافيا كمكان للتعايش وليس الصراع؟ ومن لديه بديل آخر لنستمع.. هي مجرد محاولة ليست طوبائية بقدر ما هي تنبع من الأرض والمكان الحقيقة الثابتة.. السياسة تتغير والجغرافيا ثابتة، وكيف نجعل السياسة تابعة للجغرافيا وليس العكس؟

وأخيرا مستقبل إسرائيل في هذه الجغرافيا تماما كما مستقبل فلسطين الدولة.. وكلاهما مستقبلهما في الجغرافيا العربية الناظمة والحاكمة لكل دول المنطقة، ومن هذه الحقيقة إنطلقت المبادرة العربية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com