2019-01-27

مسموح ان نختلف.. لكن جريمة ان ننفصل..!


بقلم: د. هاني العقاد

تجاوز الانقسام  الفلسطيني ادنى حدود المعقول ومحددات المنطق والعقلانية الوطنية وبات ضربا من الجنون الفلسطيني الفلسطيني الذي ذهب بالعقل الوطني الى حالة الذات الحزبية لتعلوا مصلحة الحزب وافراده على اي مصلحة عليا للشعب الفلسطيني.

انها جريمة لا يمكن للاجيال ان تنساها وتغفرها لكل من ساهموا في الفرقة والخلاف والتمزق والتفرق ولا يمكن ان تقفز عنها كتب التاريخ وتتجاهل مرحلتها السوداء.. لا يمكن ان تتجاهل دفاتر التاريخ المأساة التي حلت بالشعب الفلسطيني نتيجة استمرار هذا الجنون الاعمى لاثني عشر عاما حتى الآن، ولا بصيص لشعاع يلوح في الأفق، حتى ولو كان خافتا، يوحي بقرب انتهاء هذا الانقسام، بل على العكس تماما.

بعدما فشلت كل الوساطات العربية وذهبت الاتفاقيات الى ادراج الساسة وما باتت  سوى حديث في لقاءات القاهرة التي لا نهاية لها، تلك الوساطات والرعايات العربية والتي كان آخرها المساعي المصرية الاخيرة والتي جاءت بعد قرار حل المجلس التشريعي من قبل المحكمة الدستورية الفلسطينية وبعد فشل احراز اي تقدم حول اي ورقة تقترحها مصر لاستكمال تطبيق اتفاق الآليات الذي تم توقيعه في القاهرة في سبتمبر 2017 والذي توقف بعد الاعتداء على موكب السيد رئيس الوزراء ورئيس المخابرات الفلسطيني.

اذا كنا كفلسطينين نختلف سياسيا ونتفق ان هذا الاختلاف يأتي من أجل تصحيح المسيرة وتعديل الطريق وتقوية مسيرة التحرر فاننا بهذا نكون أرقى الأمم سياسيا ونكون بالفعل أصحاب مسيرة تحرر وتليق بنا كنية مناضلين من اجل فلسطين كل فلسطين ويلق بكل احرار العالم ان يرفعوا تعظيم سلام لنا في كل المحطات وامام كل الشعوب.

ولعل اي اختلاف سياسي يعني سلامة وعي النخب الفكرية والسياسية بالدولة ويعني سلامة التوجه والقدرة على حماية الذات والهوية النضالية من اي اختراقات قد لا تأتي في صالح مسيرة التحرر وتذويب الحماس الوطني وتوجية الصراع للداخل الوطني كما يحدث الآن بالضبط بين الفلسطينيين. ما دام اختلافنا السياسي استمر حتى الان لعقد واكثر من الزمان فان هذا الاختلااف هو اختلاف مقصود ومخطط ولم يأتي بسبب اشكاليات هنا او هناك او فقدان موقع هنا اوهناك ولا بسبب اختلاف البرامج السياسية او الاختلاف على استراتيجية التحرراو الاختلاف على مسألة الشراكة الوطنية وادارة البلاد لأن المفهوم الآن اننا ما زلنا تحت احتلال واي اختلاف على الارض يعني اختلاف على الحكم والسيادة، كل هذا يعني استهداف المشروع الوطني واعاقة مسيرة التحرر واقامة الدولة الفلسطينة وعاصمتها القدس، بل اعاقة اي دور لأي قوى وطنية تعمل على حماية الثوابت الفلسطينية من التآكل والإندثار بسبب هذا الاختلاف.

مسموح لنا كفلسطينين ان نختلف ونوظف هذا الاختلاف في تقوية اواصر العمل الوطني ومسموح لنا فلسطينا ان نجد من بيننا من يخلتف عنا بالرأي وان لم نجد والمطلوب تعزيز اي اختلاف وطني مخلص وليس محاربته او تحييده والاختلاف الاقوى يكون داخل البيت الفلسطيني وليس على الحدود ولا على الفضائيات ومواقع التواصل.

ليس المطلوب وحدة الرأي لكل الفلسطينين او وحدة الحالة الفكرية لكن المطلوب فلسفة وطنية واحدة واتفاق على منظومة اهداف استراتيجية واحدة تتحقق بوحدتنا واختلافنا. اما اذا تعدى الاختلاف البيت الفلسطيني وخرج اختلافنا خارج الخيمة واستعان اي طرف بالغير ومن هو ليس فلسطينيا فان الاختلاف بات اعمق واخطر، لا اعتقد ان يبقى اختلاف في الراي بل سوف يتحول تدريجيا الى حالة انفصال سياسي كالتي نخشاها اليوم..! ونقول عنها انه أمر ممنوع الحدوث في الحالة الفلسطينية وحدوثه يعني جريمة لأن الانفصال الوطني والسياسي والجغرافي في ظل مرحلة التحرر يعتبر اكبر الجرائم التي نرتكبها بحق مسيرتنا النضالية ولعلها اكبر الهدايا والمنح المجانية للمحتل الصهيوني الذي كان يراهن ان الفلسطينيين لن يبقوا على قلب رجل واحد اذا ما منحوا الحكم، وهذا بالفعل ما حدث حتى الآن.

التراجع ليس عيبا ولا جريمة ولا انهزامية فهو اقصر الطرق للنجاة لان الخطر المحدق بحالة الذهاب الى الانفصال السياسي هي بحد ذاتها الجريمة التي تعني تحقيق اهداف العدو وتسهيل مهمة النيل من ثوابتنا وتدمير مسيرة التحررالفلسطينية.. التراجع يعني اننا على درجة عالية من الوعي الوطني وخاصة ان كل الملامح اليوم توحي بان اي انفصال سياسي يعني ان الفلسطينيين سيخسروا القدس وحق العودة وستشطب قضية اللاجئين، وسيخسروا الدولة المستقلة والارض والانسان ويخسروا السيادة، فلا سيادة لاي جزء ينفصل عن الارض الفلسطينية سياسيا اوجغرافيا بالمطلق حتى لو قدمت مئات وثائق الضمانات التي تغري طرف ما بالذهاب الي تلك الجريمة.

نعم نقترب من خط الخطر ونقترب من خط النهاية الذي ليس بعده نهاية محمودة بل نهاية حلم وطني.. حلم الثوار وآلاف الشهداء واكثر من مليون اسير واسيرة، بسبب السماح بحدوث هذا الانفصال السياسي والهرولة لدويلة صغيرة بلا سيادة وبلا عمق تاريخي حتىي لو دفع الاقليم مليارات الدولارات  كثمن لهذا الانفصال وتبني بالمال كل متطلبات هذه الدويلة ليس حبا فينا وليس حماية لمشروعنا ومقاومتنا بل جزء من سياسة توجهها الولايات المتحدة واسرائيل لتحقيق المشروع الصهيوني الكبير بتصفية القضية الفلسطينية بأيدي فلسطينية، ليقول العالم ان الصراع انتهى وحصل الفلسطينيون على حقوقهم واقاموا دولتهم.. لكن التاريخ لن يستحي من احد وسيسجل ان كل من دفع باتجاه هذا السيناريو وساهم في حدوثه، ولو بالكلام، فانه ارتكب جريمة بحق كل الفلسطينيين الذين ماتوا والذين يعيشوا اليوم على اي بقعة من بقاع  العالم والذين سيولدوا ويتوالدوا ويتوارثوا الى ان يمحوا هذا العار ويدفعوا ثمنه من ارواح ودماء ابنائهم والأجيال القادمة.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com