2019-02-06

القانون والتعهد والأزمة..!


بقلم: عمر حلمي الغول

في حمأة وإحتدام التنافس بين مكونات اليمين واليمين الصهيوني المتطرف على إستقطاب اصوات المقترعين الإسرائيليين تحتل مسألة الإستيطان الإستعماري، وتكثيفها في أراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران/ يونيو 1967، وإستباحة الحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية أولوية في الخطاب الأيديولوجي والسياسي لها، حيث لا يمكن فصل المعركة الآنية (الإنتخابات) عن الهدف الإستراتيجي للحركة الصهيونية، وقاعدتها المادية إسرائيل الإستعمارية، لا بل هناك تكامل عميق بينها.

وفي قراءة سيوسولوجية لصعود المشروع الصهيوني الكونيالي الإجلائي والإحلالي، لاحظنا مرحلة نشوء وتأسيس دولة إسرائيل عام 1948، وإعتمادها على ثلاثة عوامل: اولا الدعم والإسناد الغربي الرأسمالي للمشروع الصهيوني، وتأمين قواعد الإرتكاز السياسية والقانونية (وعد بلفور، تأمين الهجرة والإستيطان، والإسهام في بناء القاعدة المادية الصناعية والزراعية، وقلب المعايير والحقائق رأسا على عقب بين الشعب صاحب الأرض والوطن الفلسطيني، وبين المستعمرين الجدد، ومنحهم الأفضلية والأولوية، لدرجة ان الشعب العربي الفلسطيني تم ذكره كأقلية دون تسميته، ثم قرار التقسيم نوفمبر 1947، وقيام إسرائيل على انقاض النكبة عام 1948)؛ ثانيا تلازم ذلك مع تأسيس نواة جيش الإستعمار الإسرائيلي من مجموع المنظمات الإرهابية الصهيونية المعروفة للجميع، وارتكاب سلسلة من المجازر لإقتلاع الشعب العربي الفلسطيني عبر سياسة التطهير العرقي الصهيونية؛ ثالثا تواطىء النظام السياسي العربي آنذاك مع الغرب والحركة الصهيونية. مما هيأ الشروط لنشوء إسرائيل، ولم تقتصر حدودها على ما نص عليه قرار التقسيم، بل تمددت مساحتها لتصل إلى 78% من مساحة فلسطين التاريخية.

تلا ذلك مرحلة جديدة من المشروع الصهيوني تمثلت في الآتي: تثبيت شرعية إسرائيل في الجيو بوليتك الأقليمي؛ تعزيز قدراتها وإمكانياتها الإقتصادية، وتطوير قوتها العسكرية؛ ومواصلة إستقطاب المستعمرين الصهاينة من مختلف بقاع الأرض وخاصة من الدول العربية؛ بالتلازم مع تعميق سياسة التمييز العنصري والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين العرب حتى هزيمة العرب في حرب حزيران 1967. مما منح الدولة الصهيونية تأكيد الذات من خلال الحروب، وأعطى جيشها صورة سوبرمانية بدعم جلي من دول اوروبا وأميركا.

ما بين 1967 و1993 تعزز الإستيطان الإستعماري الصهيوني في أراضي دولة فلسطين المحتلة عموما والقدس العاصمة الفلسطينية خصوصا إستنادا إلى الأبعاد الأمنية والإقتصادية والدينية والأيديولوجية، فتنامى الإستيطان بشكل ملحوظ، وإشترك في العملية كل من حزب العمل بشكل خاص حتى 1977، ثم حزبي العمل والليكود بعد ذلك، وتلا ذلك صعود اليمين واليمين المتطرف من كل الوان الطيف الصهيوني بما في ذلك الحريديم المتزمت.

غير ان مرحلة مؤقتة حصل فيها تراجع نسبي في مسار وصعود المشروع الصهيوني، تمثلت في الإنتفاضة الكبرى 1987/ 1993، والتوقيع على إتفاقية أوسلو. إلآ ان الكمون والمراوحة المحدودة لم تدم طويلا، لإن المطبخ الإستراتيجي الصهيوني لم يقبل فكرة وجود دولة فلسطينية ما بين البحر والنهر، وجرى التحريض على رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، إسحق رابين، وتم إغتياله باكرا عام 1995، كإنذار لكل صهيوني يفكر بإمكانية التساوق مع اية تسوية سياسية. ولذا تعاملت القوى الصهيونية المختلفة وخاصة اليمين واليمين المتطرف على القتل البطيء لإتفاقية أوسلو، وما أن جاءت الإنتفاضة الثانية 2000و 2005 حتى تغيرت الكيفية، التي تعاملت فيها القوى الصهيونية مع القيادة والمشروع الوطني الفلسطيني، رغم تفكيك المستعمرات من قطاع غزة سبتمبر 2005، التي لم تكن سوى مناورة لإستباحة مظاهر السلطة الوطنية الفلسطينية، والعمل بالتعاون مع قوى محلية على إضعافها، وشل قدراتها، حيث جرى العمل بشكل حثيث لفصل القطاع عن الصفة عبر الإنقلاب الأسود لحركة حماس على حساب الشرعية الوطنية اواسط 2007. وفي ذات الوقت، تصاعد الإستيطان الإستعماري بشكل غير مسبوق مع تولي الليكود رئاسة الحكومات المتعاقبة، وتعزيز تحالفه مع اليمين المتطرف والحريديم.

وباستثناء فواصل زمنية متقطعة برز فيها إمكانية بناء ركائز تسوية زمن حكومة أولمرت 2006/2009، غير انها سرعان ما إنتهت. وتوالى صعود مضاعف للمشروع الكولونيالي الصهيوني بسن سلسلة من القوانين العنصرية في دورات الكنيست ال18 و19 و20، والتي تجلت بوضوح في المصادقة على قانون "القومية ألأساس"، الفاشي، الذي نفي اي حق للفلسطينيين بتقرير المصير على اي جزء من ارض وطنهم الأم فلسطين، وحصر الأمر بالصهاينة اليهود. وبالتالي لم يعد خيار حل الدولتين قائما في الفكر السياسي الصهيوني.

ومع صعود اليمين الأميركي، ووصول الرئيس ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية، وإعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل نهاية 2017، ونقل السفارة مايو 2018، وغيرها من القرارات المعادية للحقوق والمصالح الوطنية الفلسطينية، تجرأت حكومة نتنياهو الأخيرة (الرابعة والحالية) على نفض يدها من فكرة التسوية السياسية، وآخر ما تفتقت عن العقلية الإستعمارية الإسرائيلية، هو إصدار تعهد من قبل عدد من الوزراء وأعضاء الكنيست، أكدوا فيه على مضاعفة الإستيطان في الضفة الفلسطينية والقدس العاصمة وصولا لتركيز مليوني مستعمر فيها على حساب الشعب العربي الفلسطيني، حسب ما ذكرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الثلاثاء الموافق 5/2/ 2019.

لكن هذا الخيار هل هو قابل للتحقق؟ أم انه سيصطدم برفض قطاع واسع من اليهود في العديد من دول اوروبا واميركا الشمالية وغيرها من تلبية نداء الحركة الصهيونية؟ وهل الشعب العربي الفلسطيني سيرضخ للمشيئة الإستعمارية الإسرائيلية، ويبقى واقفا ومستسلما، أم انه سيرد الصاع صاعين للمخطط الإستعماري؟ وهل إسرائيل جاهزة لخيار الدولة الواحدة، أم ستلجأ لسياسة الترانسفير والتطهير العرقي للكل الفلسطيني داخل حدود فلسطين التاريخية؟ وإذا ما تم السير قدما في خيار اليمين الصهيوني، وتم تصفية السلطة الفلسطينية، هل ستكون دولة إسرائيل واجهزتها الأمنية وكل مركباتها السياسية والقانونية والإقتصادية والدينية الحريدية قادرة على مواجهة التحديات الجديدة، التي ستكون اصعب وأعقد من كل المراحل، التي مرت بها الدولة الكولونيالية؟

يبدو ان القيادة الصهيونية الحاكمة تقرأ التطورات من زاوية أحادية الجانب، من رؤيتها هي للواقع، دون قراءة الرؤية الفلسطينية، والإبتعاد عن فهم ومعرفة حدود المرونة السياسية، والقدرة الكفاحية الفلسطينية الكامنة، والمؤهلة في كل لحظة على قلب الطاولة على رأسها. لإن كل عمليات التطهير العرقي الصهيونية، لن تتمكن من طرد الفلسطينيين، لإنهم تعلموا درسا تاريخيا عدم ترك أرض وطنهم الأم مهما كانت التضحيات، وعدم التنازل عن الحد الأدنى من حقوقهم الوطنية المتمثلة بإستقلال دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على اساس القرار الدولي 194، والمساواة الكاملة لإبناء الشعب في داخل الـ48. وهو ما يضع القيادة الصهيونية بمركباتها الأيديولوجية والسياسية والعسكرية والإقتصادية في أزمة عميقة، لاحل لها من حيث المبدأ إلآ الذهاب إلى احد خيارين لا ثالث لهما: أما التمسك بخيار حل الدولتين، والعودة لتأصيله، وهو الأقل ضررا، وأما الدولة الواحدة، وعندها مطلوب منها تغيير كل معادلاتها ومخططاتها، لإن آفاق المشروع الصهيوني سيكون نحو الأفول والإندثار، لإنه سيصطدم بالبعدين الديمغرافي والسياسي والقانوني وحتى الأمني. خاصة وان الشروط ستختلف، والمعادلات السياسية لن تبقى كما هي عليه الآن، والعالم يسير تدريجيا نحو التغيير، والعرب لن يبقوا في دائرة التراجع والإنكفاء والهزيمة. والمستقبل كفيل بالجواب على الصهيونية وخياراتها العدمية والإرهابية.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com