2019-02-10

مؤتمر وارسو.. بين التجييش ضد إيران والتطبيع بين العرب وإسرائيل..!


بقلم: زياد أبو زياد

رفضت القيادة الفلسطينية على لسان د. صائب عريقات المشاركة في المؤتمر المزمع عقده في وارسو في الثالث عشر من الشهر الحالي بدعوة من الإدارة الأمريكية والذي تناقلت الصحافة ووسائل الإعلام نبأ مفاده أن جيرد كوشنر صهر الرئيس ترمب ومساعده جيسون جرينبلات سيشاركان فيه ويُقدمان عرضا للجانب الإقتصادي من الخطة التي يعدانها "لتسوية" النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.. "صفقة القرن".

وقبل المضي قُدما في هذا المقال فإنه لا بد من القول بأن القيادة الفلسطينية أحسنت صنعا ً في قرارها هذا، وآمل أن لا يتغير هذا القرار تحت أية ضغوط تُمارس عليها وهي ضغوط كثيرة أقواها من أولي القربى.

فالمؤتمر المزمع عقده في وارسو لم يكن يتعلق بالقضية الفلسطينية ولا بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية الذي تحاول الأوساط المعادية لحقوق شعبنا تسميته بالنزاع الإسرائيلي الفلسطيني تحاشيا ً وتجاهلا ً للحقيقة لأن الأمر ليس نزاعا ً بل احتلالا..!

فالهدف الأساسي والرئيس للمؤتمر هو إقامة حلف عسكري تشارك فيه عدد من الدول العربية الى جانب إسرائيل لمواجهة ما يسمى بالخطر الإيراني . وقد عبر عن ذلك وزير الخارجية الأمريكي بومبيو حين قال في الحادي عشر من كانون ثاني الماضي بأن الهدف من المؤتمر هو التعامل مع الاستقرار والحرية والسلام والأمن في الشرق الأوسط والتأكيد بأن إيران لن تكون عنصر للاستقرار في المنطقة، ولم يتحدث بومبيو ولو بكلمة واحدة تصريحا ً أو تلميحا ً الى الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية أو الى الأزمة الانسانية المتفاقمة في قطاع غزة والقمع والاضهاد والظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني في شطري الوطن.

وقد رد عليه فاسيلي نيبينزيا المبعوث الروسي الدائم في مجلس الأمن في جلسة للمجلس في الثاني والعشرين من كانون ثاني الماضي منتقدا ً غياب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عن أجندة المؤتمر قائلا ً بأن عقد مؤتمر يُعنى فقط وبشكل مبسط في إقامة حلف عسكري هو أمر غير منتج.

ولا يحتاج الأمر الى كثير من الذكاء لاستنتاج أن الهدف الأساسي والرئيسي للمؤتمر هو خدمة السياسة والمصالح الإسرائيلية في الإعداد لحرب ضد إيران وشن تلك الحرب لتدمير إيران كما حصل مع العراق، ولكن بتمويل عربي تحت طائلة الإدعاء بأن الخطر الإيراني على السعودية ودول الخليج هو أكبر من الخطر الإسرائيلي وأن إسرائيل هي حليف لكل من يريد مواجهة الخطر الإيراني الشيعي.

ولا غرابة أن تكون ثروات السعودية ودول الخليج مستهدفة من قبل إدارة الرئيس ترمب الذي تحدث عن سلب تلك الثروات بفظاظة بالغة خلال حملته الرئاسية وبعدها . فالهدف هو أموال دول الخليج والسعودية.

ولكن يبدو أن الانتقادات بأن مؤتمر وارسو سيبحث فقط في التهديد الإيراني جعل الإدارة الأمريكية تستخدم غطاء آخر للمؤتمر وهو القول بأن المؤتمر سيستمع الى تفسيرات "شفهية" من كوشنر عن الجانب "الاقتصادي" للخطة الأمريكية السماة صفقة القرن. وبأن المؤتمر سيجري مناقشات وليس مفاوضات وأن الهدف هو توفير الدعم المالي من دول الخليج لتنفيذ الشق الاقتصادي لتلك الخطة.

واذا ما حاول المرء تجميع الخيوط التي تتحدث عن الخطة الأمريكية وفحواها سيجد أن هذه الخطة هي تكريس للاحتلال بعد أن تم الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لاسرائيل وازاحتها عن الطاولة، وتصفية قضية اللاجئين بعد الحرب على الأونروا والادعاء بأن عدد اللاجئين لا يتجاوز أربعين ألفا ً باعتبار أن اللاجيء هو فقط من غادر فلسطين عام 1948 ولا زال على قيد الحياة، ورفض إعطاء هذه الصفة لمن توالد عنه ، ثم الحديث الآن عن تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين والتجاهل المطلق للجانب السياسي والوطني للشعب الفلسطيني ولهويته الوطنية "م.ت.ف"، والسعي لتكريس الهيمنة والوجود العسكري والاستيطاني اليهودي في غور الأردن والضفة الغربية ومحاولة استغلال الضائقة والمعاناة الإنسانية في قطاع غزة لفصل قطاع غزة عن الضفة وتفتيت وتصفية القضية الفلسطينية.

سينعقد مؤتمر وارسو وسيحضره عدد لا يستهان به من القادة العرب الى جانب رؤساء حوالي سبعين دولة من دول العالم دعيت لحضوره أو ممثلين عنهم وسيلتقط نتنياهو الصور التذكارية مع بعض الزعماء العرب ليضيفها الى ملصقات حملته الانتخابية الى جانب صوره مع قادة عُمان وتشاد ويقول للرأي العام الإسرائيلي لا داعي للقلق فها هو العالم العربي والاسلامي يفتح ذراعيه لاسرائيل في عهدي وبفضل سياستي، وسيقدم العرب أكبر خدمة للدعاية الانتخابية الليكودية المتنكرة للسلام والحل والانسحاب والتي ما زالت تحلم بإسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات.

أما نحن القابضين على الجمر، المكتوين بنار الاحتلال ، الذين تستباح أراضيهم وأرواحهم وحريتهم فإن على البعض منا أن يفيق من حلم إمكانية تغيير المجتمع الاسرائيلي بالحديث عن السلام، والنوم على أنغام وأحلام بأن ذلك سيجعل الانتخابات القادمة في إسرائيل أو التي ستليها تأتي لنا بحكومة اسرائيلية يمتطي رئيسها حصانا ً أبيض ويلوح لنا براية السلام..! ويعرض علينا انسحابا ً تاما ً من الأراضي المحتلة بما فيها القدس الشريف ويرفع معنا العلم الفلسطيني على أسوارها ومآذنها وقباب كنائسها.

حل الدولتين بالشروط الفلسطينية التقليدية التي حفظناها عن غير قلب لم يعد ممكنا ً بل أصبح مستحيلا. وعلى القيادة أن تبحث عن خيار آخر وحل ممكن يعي ويدرك كل المتغيرات التي تمت على الأرض في الأراضي المحتلة عام 1967 وداخل حدود عام 1948. والعاقبة للمتقين.

* الكاتب وزير سابق ومحرر مجلة "فلسطين- إسرائيل" الفصلية الصادرة بالإنجليزية- القدس. - ziad@abuzayyad.net