2019-02-17

فشل لقاءات وارسو وموسكو يفاقم من الأزمة ويمهد للإنفجار في المنطقة


بقلم: زياد أبو زياد

لا أبالغ إذا قلت بأني ومثلي كثيرون لم نتوقع شيئا ً جديدا من اللقاء الذي دعت إليه موسكو للحوار بين الفصائل الفلسطينية بهدف تحقيق مصالحة فلسطينية تضع نهاية للإنقسام الفلسطيني المزمن. ونحن لم نتوقع أمرا جديدا ليس لأننا مصابون بالتشاؤم بل لأننا ندرك بأن تكرار هذه اللقاءات بنفس الأشخاص وبنفس المواقف وبنفس الأدوات لا يمكن أن يؤدي إلا الى نفس النتائج، مزيد من التمترس وراء المواقف ومزيد من تعميق الفجوة والشرخ.

ولقد لفتت نظري التعليقات التي ازدحمت بها وتناقلتها مواقع التواصل الاجتماعي والتي كانت كلها تدور حول صور أعضاء الوفود التي شاركت في الحوار ومظاهر الفرح والمرح والضحكات والعناقات التي عبرت عنها تلك الصور لدرجة أن الكثيرين لم يعودوا يفهمون علام الاختلاف طالما أن أعضاء الوفود يتعانقون ويتمازحون ويقهقهون وكأنهم في مكان لهو وعبث لا مكان اجتماعات تتناول قضية مفصلية مصيرية باتت تهدد مستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته.

المشكلة أن جديدا لم يحدث في مواقف أطراف الانقسام ولا مواقف الفصائل التي تواكب المحادثات الفاشلة في التوصل الى إنهاء الإنقسام. فالقرار هو بشكل أساسي بيد "فتح" و"حماس" اللتين لا تتوفر لديهما النية في التوصل الى مصالحة تلبي الحد الأدنى من مطالب الطرف الآخر من كل منهما باعتبارهما اللاعبين الرئيسيين على الساحة السياسية الداخلية منذ تخلت "حماس" عن موقفها الرافض لأوسلو في نهاية عام 2005 ودخولها في انتخابات تشريعية تمت تحت غطاء ومظلة أوسلو ثم انقلبت على أوسلو خلافا ً لحركة الجهاد الإسلامي التي ظلت متمسكة بموقفها المبدئي الرافض لأوسلو وللمشاركة في الحياة السياسية الداخلية تحت مظلة أوسلو.

أما الفصائل الأخرى التي كانت تحتج على الحوار الثنائي بين "فتح" و"حماس" وتطالب بأن تشارك فيه باعتبارها من مكونات الخريطة السياسية الفلسطينية فقد أثبتت في جولات الحوار العديدة التي شاركت فيها بأنها عاجزة عن إحداث أي تغيير إيجابي في مواقف "فتح" و"حماس" يقربهما من إنهاء الإنقسام، وأن مشاركة هذه الفصائل لم تحقق سوى مكاسب فئوية لكل منهما تتلخص في أمر شكلي هو الإقرار بوجودها ومشاركتها في التشكيلة السياسية الفلسطينية. وهذا أمر مهم بالنسبة لها لأنه باستثناء الجهاد والجبهة الشعبية والديمقراطية الى حد ما، فإن معظمها فقد قواعده على الأرض وأصبحت قياداته "جنرالات" بدون عسكر..! وأصبحت مشاركتها في جولات الحوار مجرد محاولة لانتزاع إقرار بوجودها على قيد الحياة.

وللأسف الشديد فقد فشل لقاء موسكو كما فشلت كل اللقاءات التي سبقته والتي قد تعقبه لأنه لا توجد نية حقيقية لدى أي من "فتح" أو "حماس" بإنهاء الانقسام لتعارض إنهاء الإنقسام مع المصالح الشخصية على الجانبين ولأن هناك أصابع إقليمية تلعب على الساحة الفلسطينية لا تريد لهذا الإنقسام أن ينتهي وبعضها يحاول أن يجير بعض أطراف الإنقسام الى جهات إقليمية خلافا ً للحقيقة والواقع.

وقد يجازف المرء فيقول بأن هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن حسابات الصديق الروسي الذي دعا الى هذا اللقاء في موسكو في نفس الوقت الذي دعت فيه الإدارة الأمريكية الى لقاء في وارسو لتشكيل حلف عسكري يضم إسرائيل جنبا ً الى جنب مع عدد من الدول العربية لمواجهة ما يسمى بالخطر الإيراني الذي أصبح بضغط من تل أبيب وواشنطن وعواصم عربية معينة يتقدم على القضية الفلسطينية ويحاول أن يتنزع منها القول بأن لا استقرار ولا سلام في الشرق الأوسط بدون حل القضية الفلسطينية بإنهاء الاحتلال الاسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية بالإدعاء بأن لا سلام ولا استقرار إلا بالقضاء على ما يسمى بالخطر الإيراني.

فقد أراد الصديق الروسي الرد على المجتمعين في وارسو بنفس العملة التي أرادوا أن تصدر عن مؤتمرهم. فأطراف وارسو تصر بأن لا استقرار ولاسلام في الشرق الأوسط بدون القضاء على النفوذ الايراني حتى ولو بتوجيه ضربة عسكرية لايران. وقد سمعنا أقوالا منسوبة لمسؤول عربي شارك في اجتماع وارسو قال فيها أن إيران هي وراء كل مشاكل المنطقة وأنها هي التي تدعم الجهاد وحماس وحزب الله وتزعزع الاستقرار في المنطقة، وهذا قول – إن صح - نرفضه من جهة وندرك من جهة أخرى أنه هو بالضبط ما تريد تل أبيب وواشنطن أن تسمعه.

ومع أن الإدارة الأمريكية قالت بأنها ستطرح في الاجتماع الخطوط العريضة لما يسمى "صفقة القرن"، فإن غياب العنصر الفلسطيني وغياب الدول الأوروبية الغربية الرئيسية التي ما زالت متمسكة بالاتفاق النووي مع إيران وتقف ضد التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران جعل لقاء وارسو باهتا ً جدا ً أقرب منه الى الفشل من النجاح الأمر الذي يجعل بالامكان القول بأن لقاء موسكو لم يكن مخيبا ً للآمال أكثر من لقاء وارسو.

الانقسام الفلسطيني مستمر، والمأساة الإنسانية في قطاع غزة تتفاقم دون أي أفق يبشر بقرب انتهائها، والفصائل الفلسطينية عاجزة تماما ً عن إحداث أي زحزحة في مواقف "فتح" و"حماس"، وإسرائيل مستمرة في التمسك بعقليتها العسكرية العنجهية وترفض الإعتراف بفشل الاحتلال في تركيع الشعب الفلسطيني والإدراك بأن كل يوم يمر إنما يقرب نهاية عصر عنجهيتها ويقرب إغراقها في بحور من العنف الدموي سواء من قبل مستوطنيها المتطرفين في الضفة الغربية والقدس المحتلتين أو عبر الحدود من قطاع غزة.

فقد بلغ السيل الزبى ولا بد أن الإنفجار الدموي قادم لا محالة. وعندها سيكتشف الجميع صدق القول بأن مفتاح الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة هو فعلا ً هنا بيد الشعب الفلسطيني المقهور والمغلوب على أمره المتأهب ليفاجىء مفاجأة القريب قبل البعيد بأنه ما زال وسيبقى حيا ً وقائما.

* الكاتب وزير سابق ومحرر مجلة "فلسطين- إسرائيل" الفصلية الصادرة بالإنجليزية- القدس. - ziad@abuzayyad.net