2019-02-20

أغلال الإحتلال تصيب باب الرحمة الإسلامي..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

في حلقة جديدة من حلقات الإحتلال الإسرائيلي المستمرة من عام 1967 وغير المتوقفة ليومنا هذا، لخرق الحرية الدينية للفلسطينيين المسلمين في القدس وفلسطين، قام الإسرائيليون بوضع أغلال بصورة تعسفية، على باب الرحمة الإسلامي في الحرم القدسي الشريف. ورافق ذلك إقفال أبواب المسجد الأقصى جميعا، واعتدوا على المصلين، واعتقلوا بعضهم ومنعوهم من الدخول لقسم المحفوظات والمخططات. علما بأن الإسرائيليين، استولوا على الجزء الجنوبي من تلك المقبرة الوقفية ومنعوا الدفن فيها.

هذا الإعتداء سبقه اعتداءات كثيرة أبرزها الإستيلاء على المدرسة التنكزية في باب السلسلة،  وحرق المسجد الأقصى على يد المتطرف مايكل دنيس روهان عام 68، وما تلا ذلك من اعتداءات دموية على المصلين في مجموعة لفتا ومحاولة تفجير المسجد الأقصى، واعتداء إيلان غودمان بسلاحه الناري على المصلين المسلمين، ومجزرة الأقصى في عام 1990 حيث سقط عشرين شهيدا في أقل من نصف ساعة. ناهيك أن الدولة الإسرائيلية المحتلة واليهود المتطرفين بدعم مخابراتي وبخاصة غرشون سلمون ويهودا غليك يخرقون حق المسلمين المطلق والوحيد في المسجد الأقصى في كل مناسبة دينية وحتى غير دينية مثل البوابات الإلكترونية.

ولم تقتصر هذه الإعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى وباحاته ومصاطبه وأبوابه ومدارس العلم فيه، بل امتدت إلى مساجد أخرى في الضفة الغربية المحتلة. كان أبرزها الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، والإستيلاء على جامع بلال ابن رباح (مؤذن الرسول) في بيت لحم بحجة أنه قبر راحيل، ومقام النبي يوسف في نابلس بحجة صلته بالنبي يوسف عليه السلام. ومن نافل القول أن كثيرا من المساجد الفلسطينية داخل الخط الأخضر اعتدي عليها وحولت لمطاعم وبارات وساحات للرقص.

وقبل قيام دولتهم تسبب اليهود في مذابح البراق لعام 1929، واعتقد اليهود أن قدوم لجنة دولية من قبل عصبة الأمم للتحقيق في تلك الأحداث ستمنحهم حائط البراق كما منحتهم بريطانيا الإستعمارية فلسطين عبر وعد بلفور. ولكن خابت ظنونهم، وقررت اللجنة أن حائط البراق ملك إسلامي خالص، وأن المسلمين متسامحين جدا، حينما سمحوا لليهود إقامة صلواتهم قرب حائط البراق حيث لا حق لهم رخصة المسلمين فقط. ويا ليتهم توقفوا عند هذه الرخصة بل هدموا مئات المنازل في حارة المغاربة لممارسة هذه الرخصة الدينية. ولم يكتفوا بذلك بل بدؤوا بإقامة معبد ضخم وأبنية في ساحة البراق في خرق واضح لقانون بريطاني انتدابي قونن نتائج لجنة التحقيق الأممية عام 1932.

ببساطة شديدة، منذ الإحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967 لم تتوقف الإعتداءات على المواقع الدينية الإسلامية، بل شهدت في الآونة الأخيرة تحريضا إسرائيليا رسميا وحزبيا ودينيا تمثل في الإقتحامات اليومية من قبل المستوطنين واليمين الإسرائيلي وإقامة الصلوات في ساحات الأقصى وباحاته. ولا يمكن لعاقل تخيل توقف المستوطنين عن هذه الممارسات المجنونة، بل سيشهد المسجد الأقصى مزيدا من هذه المحاولات الإسرائيلية المجنونة اليمينية المتطرفة، فقد أضحت الخطة الإسرائيلية العدوانية واضحة تماما. وتخرق "الوضع القانوني القائم" بشكل واضح باد للعيان لا يحتاج إلى فحص أو تدقيق. وهذا الأمر يشكل نهجا إسرائيليا وليس صدفة أو أمرأ عابرا بل أمر مخطط له بشكل أكيد.

تتمثل الخطة الإسرائيلية بوضوح كاف، الإستيلاء على جزء من المسجد الأقصى و/أو المسجد المرواني و/أو باحاته و/أو ساحاته، ولا ينقصها سوى التوقيت. وهي ما انفكت تطلق بالونات الإختبار في كل حدب وصوب لتحقيق هذه النتيجة، سواء أكانت عبورا واقتحاما للمستوطنين و/أو إغلاق لأبواب المسجد الأقصى و/أو البوابات الإلكترونية و/أو أغلال على باب الرحمة و/أو سرقة مفاتيح باب المغاربة و/أو منع دخول المواد الأولية للإعمار الضروري للمسجد.

تتشدق الرواية الرسمية وغير الرسمية الإسرائيلية بالحرية الدينية في ظل الإحتلال الإسرائيلي للقدس العربية بمساجدها وكنائسها. وتذكر باستمرار، أنها سنت بعد حرب حزيران من عام 1967 قانونا لحماية الأماكن الدينية، لكنه بقي حبرا على ورق. فقد عانت الأماكن الدينية الإسلامية والمسيحية من خروقات فاضحة للحرية الدينية في ظل الإحتلال الإسرائيلي. ولم تعد مقولات زعمائهم الروحيين التي أطلقت بعد حرب حزيران مباشرة، قابلة للتطبيق، والقاضية بمنع اليهود من الدخول لساحات المسجد الأقصى وباحاته خوفا من تدنيس التوراة، بل غدا المسجد الأقصى وساحاته مرتعا مباحا لحركات بلغت العشرين تستبيح كل بقعة فيه وتدنسه.

يبدو أن الإحتلال الإسرائيلي  عاد للتاريخ الذي يذكر أن اليهود كانوا يصلون عند باب الرحمة قبل خمسة قرون ولم يكونوا يؤدون شعائرهم الدينية عند ساحة البراق. ويبدو أن الإسرائيليين لا يملون من إطلاق بالوناتهم لبيان الوسيلة المناسبة والتوقيت المناسب للأستيلاء القادم. فهذه المرة طال الأمر بابا مقفلا من أيام الناصر صلاح الدين الأيوبي وبقي مقفلا أيام العثمانيين. ومقولة الإسرائيليين منطلقة من سيطرتها العسكرية المزعومة على القدس واحتلالها طويل الأجل لمرافقها وبخاصة في ظل الضعف العربي والإسلامي ووهنه المستمر. ومما يشجع الإسرائيليين زعمهم بأن هذا الباب (الباب الذهبي) هو أجمل أبواب المسجد الأقصى على الإطلاق، بل هو أجمل أبواب القدس القديمة كلها، حيث لا يجوز حجب جماله وجمال أعمدته وهندسته عن الناظرين ومحبي التراث لأنه تراث إنساني وليس إسلاميا. وبالتالي يردد الإسرائيليون بأنه لا يجوز استمرار إغلاقه لهذه الفترة الزمنية الطويلة على طريقة كلمة حق قصد بها باطل.

ما يجري في باب الرحمة أو ما أطلق على تسميته الباب الذهبي هو محاولة إسرائيلية لتطويق المسجد الأقصى المبارك، بل هو اقتطاع جزء لا يتجزأ منه وإخضاعه للسيطرة الإسرائيلية مثل باب المغاربة، وربطه بالمخططات الإسرائلية المكشوفة مثل القطار الهوائي، وتمزيق مقبرة باب الرحمة مثل مقبرة مأمن الله واندثارها.

ولعل ما جرى في محادثات كامب ديفيد حول القدس بين المرحوم أبو عمار وباراك برعاية كلينتون، يشير بشكل صريح وقاطع للرغبات الإسرائيلية حيث زعموا وطالبوا بأن تكون للإسرائيليين في المسجد الأقصى السيادة التحتية وللفلسطينيين السيادة الفوقية في تلاعب لفظي إسرائيلي، واحتيال صهيوني على المصطلحات القانونية المتعارف عليها والقاضية بأن السيادة للشعب المحتل المقدسي وليس للمحتل الإسرائيلي ذرة واحدة من ذراتها.

باب الرحمة باب من أبواب المسجد الأقصى القابع في مدينة القدس المحتلة. وهذا المسجد بكل أبوابه وباحاته وساحاته ولوواينه ومحاريبه ومصاطبه ولواوينه بناء وفناء يملكه الشعب الفلسطيني والإسلامي. وليس للمحتل الإسرائيلي أي حق فيها لا استعمالا ولا إدارة ولا تملكا ولا أمنا.

بعد أكثر من خمسة عقود زمنية  احتلالية اسرائيلية، بات واضحا أن المدينة المقدسة ومسجدها الأقصى بات في خطر دفين حقيقي من قبل سلطات الإحتلال. ونحن لا ننتظر منه عدلا ولا حيادية. لذا بات على  المقدسيين مواجهة قدره لوحده، أما السلطات المعنية فعليها مراجعة الأمم المتحدة لتتخذ قرارا بحماية الشعب والمسجد الأقصى المبارك، أو أن تتو جه لمحكمة العدل الدولية لتتخذ رأيا إفتائي بخصوص القدس والمسجد الأقصى، أو الأمرين معا، وإذا كان الأمر لا يدرك كله لا يترك جله..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com