2019-02-20

الانتخابات المبكرة في إسرائيل: انتخابات بين اليمين..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

المتتبع لتطور النظام السياسي الإسرائيلي يلاحظ أن ظاهرة الإنتخابات المبكرة تلازم النظام السياسي البرلماني في إسرائيل، وقد ينفرد النظام السياسي في إسرائيل بهذه الظاهرة عن غيره من النظم البرلمانية التي تقوم على قاعدة حجب الثقة التي بيد البرلمان في مواجهة الحكومة. وقاعدة حل البرلمان، وهي سلاح الحكومة في وجه برلمان متشدد.. وينفرد النظام السياسي الإسرائيلي بظاهرة الانتخابات المبكرة أحد أسبابها التعددية الحزبية الكبيرة في إسرائيل، وظاهرة الشخصانية القيادية، وإنتفاء ظاهرة الحزب الكبير الذي كان يحقق أكثر من أربعين مقعدا، وهذه الظاهرة لم تعد قائمة. واكثر ما حققه حزب "الليكود" الآن حوالي الثلاثين مقعدا، مما يحتم ظاهرة الإئتلافات الحكومية، ويجعل الحزب الحاكم تحت رحمة أصغر الأحزاب. فالحكومة يمكن أن تسقط بسبب مقعد واحد، ولهذا معظم الحكومات الإسرائيلية مبتزه من قبل الأحزاب الصغيرة.

ولهذه الأسباب وغيرها تعتبر الإنتخابات المبكرة أحد آليات النظام السياسي الإسرائيلي. فالإنتخابات في إسرائيل، وهي الوحيدة على مستوى النظام السياسي تجري كل أربع سنوات للكنيست الذي تنبثق منه الحكومة، ويقوم الحزب الفائز بأكثرية المقاعد بتشكيها، وحيث انها انتخابات تتم بالتمثيل النسبي على مستوى القطر كله وبنسبة حسم 3.25 في المائه، فهذا يعنىي ان أي حكومة لا بد وأن تكون إتئلافية، وهذا الذى يجعلها تحت رحمة أي من الأحزاب المشاركة،

ويشترط لتشكيل الحكومة الحصول على 61 مقعدا في الكنيست، وهي نفس النسبة التي تسقط الحكومة في أي حجب للثقة، ولهذا احد ميكانيزمات النظام السياسي الإسرائيلي الانتخابات المبكرة، وهي ظاهرة عامة، والأمثلة كثيرة.. حكومة 1951، والحكومة الخامسة 1961، والعاشرة 1981، والحادية عشر 1984، والثالثة عشر 1992، والخامسة عشر، وثلاث انتخابات مبكرة ما بين حرب غزة الأولى 2008 و2014.

هذا والتوجه للإنتخابات المبكرة يتم عندما يكون للحزب المسيطر ما يقدمه للجمهور، ويريد الدعم الشعبي، وفي اعقاب التصعيد الأخير على غزة ليس لدى نتنياهو ما يقدمه للجمهور ولذلك إستمات على تأجيل الانتخابات بعد إنسحاب ليبرمان وتقديم إستقالته من الحكومة  وخروج حزبه من الإئتلاف الحاكم. ليبرمان لديه ما يقوله، لكن نتنياهو ليس لديه ما يقوله. وهذا سبب محادثاته الأقرب للإستجداء مع حزبي نفتالي بينت وكحلون لتأجيل قرار الإنتخابات المبكرة. والسبب الثاني أن نتنياهو ينتظر ان يقدم شيئا ملوسا ليرفع من شعبية حزبه، كأن يعقد صفقة لتبادل الأسرى بعد إتفاق التهدئة، او أن يخوض حربا جديدة على غزة، وهذا أمر غير مستبعد، او ان يحقق زيارات عربية أو موضوع الأمن في الشمال وأنفاق حزب الله.

ويضاف لذك قدرة نتنياهو على إقناع أعضاء حكومته ان تأجيل الانتخابات فيه مصلحة سياسية بتأجيل "صفقة القرن" التي يعرف ان هناك ثمنا سياسيا سيدفعه لا يقدر على دفعه أثناء الإنتخابات، وهذا كاف للإسراع في إسقاط حكومته، والذهاب للإنتخابات المبكرة. ولذلك كان التهديد بالإنتخابات المبكرة رسالة موجهة للرئيس ترامب الذي على ما يبدو أنه خضع لضغوطات نتنياهو وأجل عرض الصفقة، حتى يكتسب نتنياهو مركزا أقوى او يحقق إنجازا سياسيا كبيرا.

لكل هذه المعطيات تم الاتفاق على الانتخابات المبكرة والتي ستجرى في شهر أبريل القادم. والمهم الآن ليس عقد الانتخابات لكن ماهى شكل هذه الانتخابات وتحالفاتها؟ وما هي أجندات وأولويات الأحزاب المشاركه والمتنافسه فيها؟. تجرى هذه الإنتخابات ولأول مرة في ظل تحولات وتحالفات غير متوقعه و في سياقات سياسيه تعمل لصالح المعسكر اليميني، ومن ثم إحتمالات تشكيل حكومة يمينية متشددة أو أكثر تشددا من القائم، وضعف قوى اليسار التي من المستبعد ان تحقق إختراقات كبيرة في الإنتخابات القادمة.

ويبقى التحدي الأكبر للنواب العرب، وقوائمهم، وهل هم قادرون على الحفاظ على عدد المقاعد التي يتمتعون بها الآن، ام أنهم سيخسروا او يحققوا عددا اكبر؟ وليكن معلوما ان مجرد زيادة عدد مقاعدهم ولو بمقعد واحد يعتبر إنجازا مهما ومطلوبا، ولذلك لا بد من حشد كل الأصوات والمشاركة بأعلى نسبة.

هذه الانتخابات تتسم بالفوضى الحزبية، وبالتركز على الأحزاب اليمينية، فهي كما توصف بانها انتخابات بلا يسار وإنتخابات بلا خلافات أيدولوجية..! هي انتخابات حول شخص نتنياهو، فلأول مرة يصبح العامل الشخصي أساسيا في السياسة الإسرائيلية.. وأن الإختيار هو بين قيادات هي أصلا في "الليكود". والتفاؤل الوحيد هل سيكون بمقدور غانتس ان يكون بديلا لنتنياهو وا"لليكود"؟ ومدى قدرته على تشكيل يسار وسط مع لابيد؟  هذا أمر مستبعد، لكن بلا شك تاثيره سينعكس على الخارطة السياسية الجديدة.

ويبقى ان هناك تراجعا في الديمقراطية الإجتماعية في إسرائيل. وقد تعيد الإنتخابات نفسها بعدم قدرة أي حزب على الحصول على أغلبية تضمن الحكم، وهو ما يعني توقع مزيد من عدم الاستقرار السياسي، وتجدد دورية الإنتخابات.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com