2019-02-21

الشعوب ترفض التطبيع..!


بقلم: عمر حلمي الغول

مما لا شك فيه، أن دولة الإستعمار الإسرائيلية حققت إختراقات نسبية في عملية التطبيع مع الأنظمة السياسية العربية بعد التوقيع على إتفاقيات كامب ديفيد 1978/ 1979، ووادي عربة 1994، وقبلها إتفاقية أوسلو 1993، التي سعى بعض العرب إستخدامها كشماعة لتعليق تطبيعهم وتساوقهم مع الدولة الصهيونية عليها. التي لم يكن التوقيع عليها نزوة خاصة، بل نتاج مجموعة شروط معقدة، وبعد فرضهم (العرب) الحصار متعدد الأوجه على قيادة منظمة التحرير في اعقاب حرب الخليج الثانية 1991، اضف إلى ان القيادة الفلسطينية، ارادت ان تكرس الوجود الفلسطيني في الجيوبوليتك مستفيدة من الإنتفاضة الكبرى (الثورة في الثورة) 1987/1993. ولهذا شاركت في مؤتمر مدريد نهاية إكتوبر 1991 تحت العباءة الأردنية، ثم شقت مسارها المستقل، ووقعت على الإتفاقية المذكورة.

لكن قيادة  منظمة التحرير الفلسطينية ومنذ اللحظة الأولى للتوقيع على إتفاقية أوسلو 1993، رفضت خيار التطبيع المجاني مع دولة الإستعمار الإسرائيلية، وأكدت في كل مناسبةرفضها للتطبيع المجاني، حتى إعتماد القمة العربية مبادرة السلام العربية 2002عام  في قمة بيروت، التي وضعت محددات للعلاقة الرسمية بين الدول العربية ودولة إسرائيل المارقة والخارجة على القانون، ووضعت اربع ضوابط للقبول بالتطبيع: ا- الإنسحاب الكامل من اراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران / يونيو 1967؛ 2- إستقلال الدولة الفلسطينية، إستقلالا ناجزا وتاما وعاصمتها القدس الشرقية؛ 3- ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على اساس القرار الدولي 194؛ 4- تطبيع الدول العربية العلاقات مع إسرائيل لاحقا، وفي حال إلتزمت بما تقدم. بتعبير آخر، رفضت القيادة الفلسطينية الإلتفاف على مبادرة السلام العربية، وعلى الموقف الفلسطيني الثابت والحاسم من مسألة التطبيع مع إسرائيل.

غير ان بعض الدول العربية إستغلت الوضع العربي المهلهل، والإنقسام العمودي في البناء المؤسسي الرسمي في اعقاب التفكك، الذي حصل بعد حرب الخليج الثانية، وشَّرع لنفسه الحق في التطبيع، ولم يلتزم هذا البعض بالضوابط، التي حددتها مبادرة السلام العربية. ورغم ذلك فإن التطبيع الرسمي العربي بقي محدودا، ومحصورا في نطاق عدد من الدول العربية. إلآ ان هذا التطبيع الرسمي لم يأخذ أي طابع شعبي عربي. لا بل العكس صحيح، فإن الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج رفضت التطبيع، بإستثناء اصوات فاجرة تبرز بين الحين والآخر على مواقع التواصل الإجتماعي لإعتبارات شخصية ونفعية، أو نتيجة عملهم كعملاء مع اجهزة الأمن الإسرائيلية أو غيرها.

ومن يعود على سبيل المثال لا الحصر لتجربتي الشعبين العربيين في الأردن ومصر، اللذين أقامت دولتيهم علاقات رسمية مع دولة إسرائيل الإستعمارية، فإنه لا يجد أي أثر مادي وحقيقي للتطبيع في اوساط الشعبين الشقيقين، بل يجد إستعصاءا متزايدا في رفض هذا التطبيع، وتمسكا بالثوابت والحقوق والمصالح العربية كلها وفي مقدمتها الحقوق والثوابت الفلسطينية. ولسان حال العرب جميعا، ان الدولة الإسرائيلية قامت على الغزو، والتزوير ونكبة الشعب العربي الفلسطيني. وإن ذهاب بعض الدول للتطبيع معها (إسرائيل) ليس ملزما للشعوب، وأن هذا الواقع مؤقت ومحدود، ما لم تذعن القيادات الإسرائيلية لصوت السلام، وتقبل بقرارات الشرعية الدولية، ومرجعيات عملية السلام. وحتى هناك قطاعا واسعا من الشعوب ونخبها السياسية ترفض اي تنازل عن اي حق من الحقوق الفلسطينية خصوصا والعربية عموما، لإن دولة إسرائيل ليست سوى نبت شيطاني، لا علاقة لها لا بالتاريخ ولا بالجغرافيا، ووجودها كان في غفلة من الزمان العربي البائس.

إذا ما يتغنى به نتنياهو عن التطبيع مع الدول الشقيقة، ليس سوى حملة ديماغوجية مفضوحة، لا اساس له من الصحة، ولإهداف إنتخابية راهنة، وكشكل من اشكال الدفاع غير المباشر عن فساده، وللإلتفاف على ما يمكن ان يتعرض له عندما يوجه له المستشار القضائي للحكومة التهم بشأن قضايا الفساد الأربعة، التي تلاحقه. وحتى المغرب الشقيق، رد على بيبي، الذي إدعى انه إلتقى مع وزير خارجيته، أكد امس رسميا عدم صحة الإدعاء النتنياهوي، وكذبوا ما جاء في تصريحاته.

وسيبقى نبض الشارع العربي هو المعيار لإي عملية تطبيع. وبالتالي على نتنياهو، ان يطوي لعبة الإدعاءات الكاذبة، ويصمت، ويبحث عن اسانيد اكثرقربا من الواقع. والتطبيع سيبقى بعيدا عن دقنه، وعن حساباته، إلآ إذا دفعت دولته إستحقاقات السلام كاملة غير منقوصة.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com