2019-02-22

الوحدة المتعثرة والارتباط بالحبل السري الإسرائيلي..!


بقلم: سليمان ابو ارشيد

بدون شك أن اتحاد حزبي "مناعة لإسرائيل" بقيادة الجنرال بيني غانتس، و"يش عتيد" بقيادة يائير لابيد، وانضمام قائد الأركان الأسبق، غابي أشكنازي، إلى القائمة المشتركة، يعتبر تغييرا نوعيا في قواعد اللعبة الانتخابية ويحولها من انتخابات على تشكيلة الحكومة القادمة برئاسة نتنياهو إلى انتخابات على رئاسة الحكومة تهدد رأس نتنياهو.

فبعد أن وجد الإسرائيليون الشخص الذي يستحق أن ينافس نتنياهو، ممثلا ببيني غانتس الذي تجاوبت مواصفاته مع "البروفايل" المطلوب من حيث الوسامة والطول ولون العينين والقطع المعدنية التي يحملها على كتفيه، كان على الأخير تقديم كشف حساب بأعداد القتلى العرب الذين أرسلهم إلى جنات الخلد، والمدن الفلسطينية التي أعادها إلى العصر الحجري، وعندما تجاوز هذا الاختبار تنحى الآخرون جانبا وأصبح مؤهلا دون غيره لقيادة المعسكر المناهض لنتنياهو.

ولتحقيق هذا الغرض استعان الجنرال غانتس بقائدي أركان سابقين، الجنرال موشيه يعالون والجنرال غابي أشكنازي، حيث جرى إدراجهما في المواقع الخمسة الأولى، ليجتمع ربما للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل ثلاثة "قادة أركان حرب" في قائمة واحدة، وهو مشهد لم يكن شبيها له منذ عهد ديان وبارليف وألون ورابين، ويؤذن، إذا ما أضفنا الجنرال طال روسو في حزب "العمل" والجنرال يوءاف غالانت في "الليكود"، بعودة قوية لعهد الجنرالات الذي اعتقدنا أنه انتهى في السياسة الإسرائيلية.

وإن كان نتنياهو قد استبق الضربة بالوحدة "مدفوعة الثمن" التي فرضها على أحزاب اليمين المتطرف من أتباع الصهيونية الدينية والكهانية الجديدة ليحفظ لمعسكره ثلاثة أو أربعة أعضاء كنيست من الضياع، فإن استطلاعات الرأي التي جرت عشية الاتحاد بين حزبي غانتس ولابيد اقتربت للمرة الأولى من المساواة بين المعسكرات حيث أعطت معسكر "الوسط - يسار" مع العرب 59 عضو كنيست، ناهيك عن تفوق حزبهما المشترك عدديا على "الليكود".

وقبل أن نقفز فرحا لنتائج الاستطلاعات ونمد يد العون لترجمتها إلى واقع على الأرض، من المفيد التذكير أن لبديل السلطوي الذي يمثله مربع غانتس، يعالون، لابيد وأشكنازي، بعيد جدا عن محور "اليسار" أو ما كان يعرف إسرائيليا بـ"معسكر السلام" حتى بصيغة الكتلة المانعة التي استندت عليها حكومة رابين، بل هو أقرب إلى الثوابت الإسرائيلية الجامعة كما عبر عنها الجنرال غانتس، مؤخرا.

لقد أكد غانتس في الخطاب الذي عرف فيه الخطوط العريضة لحزبه، على تعزيز الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية، ورفض الانسحاب من الأغوار واعتبارها الحدود الشرقية لإسرائيل، والإبقاء على السيطرة الأمنية لإسرائيل على كامل مساحة فلسطين التاريخية والتمسك بالقدس موحدة عاصمة لإسرائيل، إضافة إلى تعزيز الاستيطان في الجولان ورفض الانسحاب من الأراضي السورية المحتلة.

والأنكى من ذلك أن قادة المربع المذكور لا يجدون وسيلة لدرء تهمة "اليسار"، التي يسعى نتنياهو لإلصاقها بهم، سوى رفع النبرة ضد الفلسطينيين والأحزاب العربية، فقد سبق أن أعلن لابيد رفضه التواجد في كتلة مانعة مع أعضاء الكنيست العرب الذين وصفهم بالـ"زعبيز" وساوى غانتس بين المتطرفين اليهود من "الكهانيين الجدد" والتجمع الوطني الديمقراطي.

وللمفارقة فإنه في وقت يدفع نتنياهو ثمنا باهظا ويتلقى هجوما حادا لقيامه بتوحيد المتطرفين من الكهانيين الجدد مع الصهيونية الدينية للحفاظ على ثلاثة أو أربعة مقاعد في معسكره، يكافأ العرب عموما، و"المتطرفون" منهم على وجه الخصوص، ليس بالتنصل من قضيتهم الفلسطينية وقضاياهم المحلية فقط، بل بهجوم سافر من زعيم المعسكر الذي ينضوون تحته دون أي اعتبار لمقاعدهم التي يهدد بها حكم نتنياهو.

معسكر الوسط - اليسار يشكل مع العرب 59 عضو كنيست، وفق الاستطلاع الذي دفع باتجاه الوحدة بين غانتس ولبيد بعد الاقتراب من تشكيل كتلة مانعة، وبدونهم 47 عضو كنيست أي أنه بدونهم ولا كتلة مانعة ولا رئاسة حكومة. ولا يكفي أن العرب سينتهي دورهم بعد منع نتنياهو من تشكيل الحكومة، أي أن حكومة غانتس - لبيد لن تسمح لنفسها بالاستناد إلى أصواتهم كما فعلت حكومة رابين، بل هم سيقومون بذلك دون أدنى مكافأة ودون أدنى احترام أو هكذا يعتقد من تطاولوا عليهم في الماضي ومن يتطاولون عليهم، اليوم.

وفي هذا السياق، سنرى خلال الساعات المتبقية لتقديم القوائم الانتخابية جهودا تمتد من اليمين الفلسطيني وحتى اليسار الإسرائيلي لإنجاز "الوحدة العربية" المتعثرة وإقامة الكتلة المانعة خدمة لقيادة غانتس وحكومة الجنرالات القادمة، ونقامر بالرهان أن تلك الجهود ستثمر (ولو قائمتين) لأن من يعيقون الوحدة مرتبطون معا بالحبل السري الإسرائيلي وليس بأي بأية حبال أخرى..!

* صحافي من الداخل الفلسطيني (1948). - aboirshed@hotmail.com