2019-02-28

لو كنت مكان الرئيس محمود عباس لقدمت إستقالتي ولكن..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

-1-

يستحضرني هنا إستقالة الرئيس عبد الناصر في أعقاب نكسة 1967، والتي خرج بزعامته القومية وبكل إنجازاتة ليعلن تحمل كل المسؤولية بصفته الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة رغم مسؤولية غيره المباشرة، ويقدم إستقالته للشعب المصري مرشحا زكريا محيي الدين لتولي الرئاسة. وقتها كنت في القاهرة فعشت الحدث وتفاعلت معه كما ملايين من الشعب المصري القوي رافضا الإستقالة لتزحف كل الجماهير حيث يقيم الرئيس، وليواصل مهمة وتحدي إعادة بناء الجيش المصري، ويبدأ حرب الإستنزاف التي مهدت لنصر أكتوبر العظيم، ولتنتهي حياة الرئيس بالتسمم كما تم تأكيده، لأن المتربصين بمصر ودورها لا يريدون قيادة بحجم الرئيس عبد الناصر ان تستمر.

هذه الإستقالة أستحضرها اليوم ومحاولات التخلص من الرئيس عباس تتزايد من قبل إسرائيل وأمريكا بممارسة الضغوطات على السلطة الفلسطينية لإنكشافها، ومطالبة قلة من الشعب الفلسطيني، وليس الكل الفلسطيني برحيل الرئيس عباس. وانا هنا لست بصدد المقارنة كما قد يخرج البعض ويقول لي أي مقارنة؟ لكنها المقارنة في ان الرئيس عبد الناصر، أقولها وبكل وضوح، مات من اجل فلسطين التي خاض كل معاركه من أجلها. واليوم الرئيس عباس يواجه نفس المصير، وهنا أنا لا أقترح الإستقالة هربا من الموت أو الإغتيال، ولكن من منظور تحمل المسؤولية الوطنية. بعد أكثر من عشر سنوات من الرئاسة، وقبلها كأحد القيادات التاريخية التي صاحبت القيادات الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس عرفات، ولكن هناك مسؤوليات وتحديات.

-2-

سبق أن كتبت أكثر من مقالة عن الرئيس عباس أولها الرئيس أو الرجل الذي جاء في عصر غير عصره، وأخيرا لماذا يريدون إغتيال الرئيس محمود عباس؟ والعلاقة بين المقالتين واضحة، فالرئيس كان واضحا، وما زال، منذ البداية وصريحا مع شعبه أنه يتبنى مشروعا ورؤية للسلام، ويتبنى كل الخيارات السلمية، وهذه الرؤية لا تريدها إسرائيل.. إسرائيل لا تريد رجل سلام. فالرئيس عرفات مات لأنه صاحب القرار الشجاع، قرار السلام. ولأنه صاحب اليد الممدودة لإسحق رابين وبيريز من اجل السلام والتعايش المشترك مع إسرائيل، وهو صاحب مقولة كما يرددها الرئيس عباس أطفالنا وأطفالكم. أي السلام من اجل هؤلاء الأطفال.

إسرائيل لا تخشى القوة العسكرية ولا تخشى صاروخ أو قنبلة هاون، ولا تخشى حتى القنبلة النووية لأنها تملك من القوة العسكرية ما يدمر من أمامها كليا.. إسرائيل تخشى السلام، لماذا؟ لأنها أولا لا تريد السلام القائم على قاعدة معادلة الحقوق، وعلى مبدأ التعايش بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.. هذا السلام الذى يحمله الرئيس ومن أجله تعرض ويتعرض لإنتقادات كثيرة فلسطينيا، هو الذي يكشف حقيقية موقف إسرائيل، وأنها دولة قوة ودولة إحتلال، ودولة ضم، ولا تعترف بالشرعية الدولية، وهذا يتناقض مع المبادئ التي تقوم عليها بانها دولة وواحة الديمقراطيه وصاحبة رسالة أخلاقية.

الرئيس لم يقف عند هذه الحدود بل حاول التغلغل في داخل المجتمع الإسرائيلي ونقل رسالته للسلام، وحاول التواصل مع كل قوى اليسار والسلام وفتح باب المقاطعة في وضح النهار وليس من وراء أبواب خلفية مغلقة، وما كان يصرح به يسمع علنا وليس همسا. ومن اجل ذلك دخل في مفاوضات وهو يعلم عقلية من يفاوض بل هو اكثر معرفة وقربا بحكم العلم والمعايشة والتفاعل، إلى ان وصل لقناعة أن إسرائيل لا تريد التفاوض.

-3-

ملفان يشكلان حجم التحديات والضغوطات التي تمارس ومورست على الرئيس وعلى السلطة الفلسطينية، الملف الأول ملف السلام الذي أدرك الرئيس ان لا سلام في المنطقة بدون الدولة الفلسطينية الكاملة وعاصمتها في القدس الشرقية، وسيادة على الأرض، لكن إسرائيل والولايات المتحدة لا تريدان هذا السلام.. المعروض سلام القوة، الرئيس عباس كان الأول رغم ضعف السلطة ومواردها المالية الذي قال "لا" مرات عديدة لـ"صفقة القرن"، ورفض أي دور للولايات المتحدة لتحقيق سلام أحادي، ورفض مقابلة أي مسؤول أمريكي. وهذا في أدبيات السياسية والقوة له دلالات سياسية، فهذا يمس بدور وهيبة أمريكا، وبلغة السياسة الأمريكية من أنت لتقول لا؟ وكان الجواب أنا الرئيس الفلسطيني القوي في شرعية مطالبه وقوة شعبه. فكان العقاب المالي والإقتصادي وغلق مكتب المنظمة، وبقي القرار بالرفض والعناد السياسي.

وإسرائيليا كان الضغط والعقاب وآخرها وقف أكثر من مائة مليون دولار شهريا من أموال الشعب الفلسطيني لأن السلطه مصرة على دفع رواتب الأسرى وأسر الشهداء دونما تمييز "حماس" أو "فتح"، وبقي القرار والتحدي. والملف الثاني ملف الإنقسام، ولم يفشل الرئيس في هذا الملف، أيضا، فالحل واضح لا دولة بدون غزة، والحل هو الانتخابات والعودة للشرعية الفلسطينية. الضغوطات الإقليمية التي تمارسها دول كإيران وتركيا وغيرها برفض قرار المصالحة. قد يقول البعض ان الرئيس بفرضه العقوبات على غزة هو السبب في تعطيل المصالحة، لا أحد مع أي عقوبات على غزة، ولكن قرار المصالحة أبعد من ذلك. صحيح الرئيس لم يحرر القدس، ولم يسترجعها كما يقال لكنه جعلها قضية حية قائمة، وصحيح أن الرئيس لم ينه الاحتلال ويؤسس الدولة، لكن لا أحد ينكر الإنجازات الدولية التي حققتها الدولة الفلسطينية، وهذه مسؤولية الكل. ولا أحد ينكر أنك ما زلت محافظا على الحد الأدنى من الثوابت الوطنية، لأنه لو كان الأمر عكس ذلك كما يصور لتم توقيع معاهدة رضوخ وليس سلام مع إسرائيل.

-4-

الرئيس محمود عباس أنا لا أطالب برحيلك، بل اتمسك بكم.. الإستقالة وتحمل المسؤولية من سمات القيادة الكبيرة.. لا أقول لك أرحل كما غيري، بل أقول لكم ان الحاجة لكم ماسة طالما أننا وصلنا لطريق سلام مسدود، كي تعمل جاهدا على إعادة البناء السياسي الفلسطيني، وأن تعيد الحيوية والفاعلية لمنظمة التحرير بمشاركة الجميع، وأن تجري الانتخابات لتجديد الشرعية السياسية الفلسطينية، وان تضع الآليات للإنتقال السلمي للسلطة، ووضع نهاية لهذا التغول الهائل غول الإنقسام، وأن ترفع عن غزة كل الإجراءات المفروضة عليها وتعيد للموظف حياته بعودة راتبه. وبعدها أن تتجه لشعبك بخطاب تاريخي تضعه أمام مسؤولياته، وتضعه أمام كل الحقائق وكل ما لا يعرفه، وبعدها تترك إستقالتك لشعبك ليقرر مستقبله السياسي.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com