2019-03-10

"حماس" ومأزق الانتخابات..!


بقلم: د. هاني العقاد

بعد ان قضت المحمة الدستورية اعلي هيئة قضائية فلسطينية بحل التشرعي الفلسطيني بات المشهد الفلسطيني امام استحقاق انتخابات عامة تمكن المواطن الفلسطينيني من استعادة ارادته الوطنية واختيار ممثلية في التشريعي والرئاسة والمجلس الوطني حتي لو لم تجري الانتخابات معا، لان التوجه اليوم ياتي لانتخاب برلمان وطني فلسطيني يقود مرحلة الدولة  فلا يعقل ان تبقي البلد بلا مجلس برلمان ويبقي الفلسطينين يتفاوضوا حول كيفية التوافق على اجراء هذه الانتخابات، ان قضية التوافق على الانتخابات امر يحتاج الي التوافق على اجراءات في غاية  الاهمية اولها،  التوافق على وجود حكومة وطنية تهيئ للانتخابات وتشرف عليها و تنظمها وتحميها من العبث وتوفر لها الدعم المطلوب، والتوافق على حكومة امر في غاية التعقيد لان حماس لا توافق على حكومة "فتح" ولا توافق على حكومة فصائل، واذا وافقت على حكومة وحدة وطنية لن توافق "حماس" برنامج الحكومة الذي هو برنامج "م.ت.ف" وبالتالي نحن امام متاهة متعددة المسارات اجتيازها يحتاج خارطة، وهو تنفيذ اتفاق 2017 بحذافيرة دون تلكؤ أو مماطلة لنخرج من الطريق المسدود الذي وصل اليه جميع الاطراف في المشهد الفلسطيني.

بعد وصول حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات المركزية الى غزة واجراء مشاورات مع "حماس" والفصائل لتنفيذ الانتخابات وترحيب "حماس" بذلك، بات مهما ان يطرح السؤال الذي يجول في رأس كل فلسطيني وحتى على المستوي النخبي: هل بالفعل ستشارك "حماس" في الانتخابات التشريعية القادمة  ام ان ترحيبها ترحيب تكتيكي ليس اكثر؟

الاجابة المنطقية لهذا السؤال تقول نعم ستشارك "حماس" في هذه الانتخابات لانها شاركت في الدورة الثانية للاتنخابات  وفازب بالاغلبية، وهذا ما يجب ان نتوقعه من خلال دخول الحركة مربع السياسة اكثر منها مربعات اخرى بعد الاعلان عن وثيقتها التاريخية وقبولها بدولة فلسطينية على حدود العام 1967 وبالتالي تقبل بتسوية مع اسرائيل على هذا الاساس. وهنا يأتي سؤال آخر: كيف لـ"حماس" ان تشارك في الانتخابات دون ان تسمح لحكومة وطنية بالاشراف على الانتخابات في غزة؟ وخاصة ان الرئيس ابو مازن لن يقبل ان تجري الانتخابات في غزة دون وجود حكومة فلسطينية شرعية تهيئ وتحمي العملية الانتخابية.

لا تستطيع "حماس" رفض المشاركة في الانتخابات القادمة لانها  قد تتهم بتكريس الانفصال السياسي والجغرافي واخذ غزة الى مربع "صفقة القرن" والتماهي مع المشاريع الامريكية ولا تستطيع "حماس" رفض المشاركة في اي انتخابات قادمة لانها تريد رد الاعتبار لذاتها التي تاثرت بفعل قرار الدستورية، وان وافقت على خوضها يجب ان توافق على تعديلات قانون الانتخابات وخاصة المادة 45 فقرة (6) التي تقول ان من سيترشح للبرلمان الفلسطيني عليه الاعتراف بان منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والاعتراف بوثيقة اعلان الاستقلال واحكام القانون الاساسي الفلسطيني وهذا يتطلب مزيدا من الدراسة لـ"حماس" لان هذه المادة تعني التزام "حماس" بكل ما تلتزم به منظمة التحرير الفلسطينية ولا تستطيع البقاء في مربع خارج مربع المنظمة وبالتالي خوض الانتخابات.

"حماس" باتت امام احتمالين: المناورة لابعد الحدود او الاعلان رسميا قبول الانتخابات وقبول قدوم  اي حكومة فلسطينية تنظم هذه الانتخابات وتشرف عليها في غزة بالتساوي مع الضفة والقدس. الواضح ان "حماس" لا تستطيع الاستمرار في حكم غزة بعيدا عن السلطة ولا تستطيع تجاهل الانتخابات القادمة وعدم المشاركة فيها، وهذا مأزق كبير، وخاصة انها تعرف ان مناورتها ضمن افق ضيق، فقد نفذ صبر محمود عباس ومل من المماطلة ولن ينتظر اكثر من ذلك وسينفذ الانتخابات  بالطريقة التي تقرها لجنة الانتخابات وتوافق عليها الحكومة الفلسطينية سواء قبلت "حماس" بالمشاركة ام لم تقبل.

"حماس" باتت اليوم في موقف لا تحسد عليه في مأزق حقيقي وتعرف ان لا مفر امامها سوى المشاركة في الانتخابات القادمة والا اتهمت بانشاء نظام سياسي بديل تسعى من خلاله لانشاء دولة فلسطينية في غزة وهذا أخطر ما يمكن ان تتهم به، لذلك فان "حماس" الان امام خيارين لا ثالث لها اما القبول بخوض الانتخابات على اساس تغيرات قانون الانتخابات الفلسطيني وتعترف بالمنظمة وتلتزم بالتزاماتها  وتقبل بتسليم غزة لحكومة الرئيس ابو مازن لتجهز للانتخابات واما ان تصطدم بالحائط وتؤسس لنظام سياسي ثاني في فلسطين وهذا مستحيل دون دعم وتأييد اقليمي ودولي.

ليس وحده باب المناورة يضغط على "حماس"، بل ايضا الوقت الذي ان طال ليس في صالحها  وعليها ان تحدد خياراتها، فاما ان تأخذ غزة الى مشروع منفصل تريده اسرائيل، وهذا اخطر على "حماس" من قبول المشاركة في الانتخابات، لذلك فهي الآن اقرب الى قبول الانتخابات القادمة حسب المرسوم الرئاسي لأن لا مفر امامها سوى هذا المسار، فهو آمن وأقل تكلفة لانها تعتقد انها ستضمن الفوز من جديد في الانتخابات اذا ما دخلت بتحالف مع بعض فصائل منظمة التحرير التي تأخذ تمويلها منها بالاضافة الى تيار دحلان الذي يعتبر هذه الانتخابات شهادة حياة او موت له، بالتالي تتلافي "حماس" انتقادات عناصرها التى غسلت عقولهم بان "حماس" شئيا اكبر من منظمة التحرير واكبر من "فتح"..!

المتوقع ان تكون المعركة خطيرة وضارية وصعبة في ذات الوقت وانا اعتقد ان "حماس" بدأت تعد العدة وتجهز لهذه المعركة والدليل توجيه حملات "ارحل" و"محاكمة عباس" لتحشد لتحالفها وتفتت المقابل مع التركيز على ان اي حلف تقوده "حماس" والفصائل الحليفة معها سيتم تصويره على انه  المشروع الوحيد الحامي للحقوق الوطنية والمدنية على السواء وهو مشروع يواجه المخطط الامريكي والاسرائيلي.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com