2019-03-17

سرديات "إلى الأبد".. التحديات والمآلات..!


بقلم: علي جرادات

في إطار التنافس الانتخابي الجاري، وتعبيراً عن قناعات أيديولوجية عتيقة، عفا عليها الزمن، وبددها الواقع، ولم يعد يربطها به رابط، يواصل رئيس حكومة "دويلة" الاحتلال، إسرائيل وزعيم حزب "الليكود" الحاكم، نتنياهو، إطلاق مواقف طافحة بالعنصرية والتطرف والعنجهية والعداء لكل ما هو فلسطيني، داخل الوطن بين النهر والبحر، وفي الشتات، فمن القول: (إسرائيل ليست دولة لكل مواطنيها، بل للشعب اليهودي وفق "قانون أساس القومية")، إلى القول: (ثمة 22 دولة عربية ولا حاجة لدولة أخرى)، إلى القول: (نحن نسمح بإدخال الأموال القَطَرية إلى قطاع غزة لمنع إقامة دولة فلسطينية)، هذا فيما لم يبت قضاة ما يُسمى "محكمة العدل العليا" بعد بشأن خوض قائمتيْن عربيتيْن انتخابات "الكنيست"، بعد أن تقدمت أحزاب صهيونية بطلب شطبهما بحجة أن الأحزاب المشاركة فيهما تدعم المقاومة الفلسطينية ولا تؤمن بـ"يهودية الدولة". دع عنك تأكيد المذكور أن هضبة الجولان جزء من ("أرض إسرائيل "التاريخية")، وتجديد دعوة الولايات المتحدة إلى الاعتراف بذلك. أما جنرالات الكتلة المنافسة لكتلة حزب المذكور وكتل الأحزاب المؤيدة له، فليسوا أقل منه تطرفا وصلفا وعنجهية، بل وينثرون الوعود باستعادة هيبة جيشهم، وقوة ردعه المتآكلة، وزمن حروبه الخاطفة وانتصاراته السريعة الحاسمة، وهي التي لم تعد قائمة، في إدناه، منذ عقديْن ويزيد من الزمان.

قد يرى البعض أن خطاب المذكور مجرد دعاية لكسب الانتخابات، وهذا أمر صحيح، إنما بمعنى ما يمثله من اتجاه، فهذا الخطاب يحمل، في المضمون، بمعزل عن شكل التعبير، ذات المضمون الذي تحمله سرديات المذكور التي لا يكل، ولا يمل من إعادة التأكيد عليها، منذ صعوده إلى السلطة في العام 1996، فيما زادت، (السرديات)، وضوحا على وضوح، وصلفاً على صلف، وزادت ترجماتها على الأرض، منذ وصول إدارة الرئيس الأميركي، ترامب، إلى السلطة. أما الخيط الرابط لهذه السرديات فمقاربة "إلى الأبد"، فمن: ("ستعيش إسرائيل على حد السيف إلى الأبد")، إلى: (القدس الموحدة عاصمة إسرائيل اليهودية إلى الأبد)، إلى: ( الضفة وهضبة الجولان جزء من أرض إسرائيل التاريخية إلى الأبد)، إلى: (سلطة واحدة بين النهر والبحر إلى الأبد). هذا إذا شئنا إمساك الثور من قرنيه، بمعنى الإعداد والاستعداد، في السياسة والميدان، لمواجهة تحديات هذا الخطاب، وما يطرحه من مهمات، وما ينطوي عليه من مخاطر، كما هي في الواقع.

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن سرديات المذكور، بما يمثل، إنما تعيد إلى الواجهة أحلام تحويل الشعب الفلسطيني إلى "غبار الأرض"، وشطبه من التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، ومن السياسة كتحصيل حاصل، فيما برهن قرن ويزيد من الصراع أن هذه الأحلام مجرد أحلام يقظة، ذلك أن مقاومة هذا الشعب تعلو وتيرتها، أحيانا، وتنخفض أحيانا، تتغير أشكالها وراياتها بين مرحلة وأخرى، لكنها مستمرة، لم تنقطع، ولن تنقطع، هذا ناهيك، وهنا الأهم، عن أن  نصف هذا الشعب في أرضه وعليها، وأنه بمجموعه شعب حي لا يكف عن الحركة والحراك حتى في أشد شروط ميزان القوى اختلالاً، وأكثرها مجافاة، بالمعنى الشامل للكلمة، ومنها، بل وأسوأها الشروط الراهنة، في أقله منذ وقوع "النكبة"، عام 1948. ولو أردنا تلخيص الأمر لقلنا: لم تسفر حصيلة مئة ويزيد من الصراع عن طرف منتصر بالكامل وطرف مهزوم بالكامل، ولو كان الحال غير ذلك لما كان المذكور مضطراً إلى دعوة العالم إلى الاعتراف بإسرائيل اليهودية على كامل مساحة فلسطين وأجزاء أخرى من الأراضي العربية، ذلك أن المطالبة، هنا، تُسقط وتُثبتُ بطلان فرضية أن ("كل ما يُفرض على الأرض يتم الاعتراف به")، وهي الفرضية التي كان وضعها، وحلمَ بتطبيقها مؤسسو حزب المذكور في معرض رفضهم الموافقة على قرار التقسيم.

وأكثر، فسرديات "إلى الأبد" التي ما انفك يرددها المذكور، وسواه من قادة أحزاب ائتلافه الحاكم، إنما تغلق الباب أمام ما يسمى "حل الدولتيْن"، وفكرة "السلام والمساواة"، الأمر الذي لن يدفع الشعب الفلسطيني إلى الاستسلام، بل يجبره، تقدم الأمر أو تأخر، على إعادة تأصيل الصراع، كما هو في الواقع، أي صراع على الأرض والسيطرة عليها، وصراع وجود لا صراع حدود، أما حوامل مهمة هذا التأصيل فلا مناص من أن تنبري طلائع للتصدي لها، من داخل بنية الحركة الوطنية القائمة ومن خارجها، ومن داخل الوطن، ومن أوساط اللاجئين في الشتات، فالشعب الفلسطيني ليس شعبا زائدا، وفلسطين ليست عقاراً للبيع والشراء، بل وطن لشعب لا وطن له سواه.

* كاتب وناشط فلسطيني- رام الله. - ali-jaradat@hotmail.com