2019-03-22

صراع المحاور.. المشرق العربي


بقلم: فراس ياغي

مؤسسات الحكم السياسية في الأنظمة المتقدمة تستند دائما لخبراء ومحللين ومراكز دراسات وغالبا في كل صغيرة وكبيرة وتعتبر مؤسسة "رند" الأمريكية مثلا رائدا في هذا الجانب.. في النظام العربي والفلسطيني الممزق يبدو أن الأمور لها مُنحى آخر، الزعيم وحاشيته وبطانته لديهم كل الحلول لكل المشاكل، وهمها الأساسي إعلان مواقف كردّة فعل على ما يأخذه غيرها عبر إستراتيجية وخطة.

في أمريكيا وفي البيت الأبيض على وجه الخصوص ظهر زعيم لا يختلف كثيرا عن زعامات دول العالم الثالث، ويرى في نفسه وبطانته الأقدر من كل المؤسسات المتخصصة على وضع الخطط والاستراتيجيات، فهو رجل أعمال يهتم كثيرا بمفهوم الصفقة وكل شيء لديه ليس سوى صفقة هدفها الأساسي جلب المال للولايات المتحدة لتحسين إقتصادها الذي يعاني، ودعم قرة العين ودرة تاج الصهيونية المسيحية، إسرائيل، وبغض النظر عن القانون الدولي وحقوق الشعوب والدول مستندا لقوة وعظمة أمريكا المُتضعضة أصلا.

إعلان سيد البيت الأبيض "ترامب" بأن الجولان المُحتل آن أوان الإعتراف بسيادة إسرائيل عليه، ليس النموذج الأول في سياساته الهادفة لتمزيق المشرق العربي وإحداث منظومة جديدة من المفاهيم لتعميق الصراعات القائمة  وتجذيرها ونقلها لمستوى أعلى من العنف القادم لا محالة، إعترافه بـ"القدس" عاصمة لإسرائيل، وقف المساعدات عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، وقف المساعدات عن السلطة الفلسطينية والمجتمع المدني الفلسطيني،  محاولة تشكيل حلف "وارسو" عربي-إسرائيلي، حديثه وحديث طاقمه حول خطة للسلام بدون جوهرها القدس المحتلة ككل وببقاء أغلب المستوطنات، ومحاولات مستمرة لفصل غزة عن الضفة ..الخ.

سياسة الرئيس "ترامب" ومقربيه التي تُمثل الإدارة الأمريكية لم تستند بالمطلق لخطط مرتبطة بتحليلات إستراتيجية بقدر ما هي جزء من عقيدة دينية "توراتية" ترتبط بالمفوم الماسوني المسيحي- الصهيوني، وهذا يكسبها أبعاد عنيفة المستوى لأنها ستؤدي للتصادم وستنقل المنطقة ككل للمواجهة المحتومة عبر حروب عنوانها الدمار وعلى الجميع دون إستثناء، وهذه المرة من خلال صراع المحاور أكثر من كونها صراعات محلية الطابع أو وطنية الهدف.

منطقتنا العربية وبالذات مشرقها، أصبحت تتشكل بشكل واضح من محورين، الأول تتزعمه إقليميا "إيران" متحالفة مع روسيا والصين، والثاني رأس حربته إسرائيل ومرتبط بشكل مُمَنهج براعيه الأمريكي، هذا الفرز هو الأساس لسياسة "ترامب-بينس" التوراتية والهادفة لجر المنطقة ككل لحروب وتحت مسميات تختلف في أهدافها ولكنها تلتقي في جوهرها.. "ترامب" يريد تحقيق صفقات عسكرية كبرى للولايات المتحدة لإنعاش إقتصادها ومواجهة المارد الصيني بالأساس و"بينس" يريد تحقيق نبوءة التوراة ومعركة "هرمجدون"، أما إسرائيل فتريد تعظيم دورها وتَسييد نفسها على كل المشرق العربي وضم غالبية أراضي الضفة الغربية كمفهوم  توراتي والجولان كمفهوم أمني، في حين عرب الإعتدال يريدون مواجهة إيران ونفوذها الكبير في المشرق العربي.

صراع المحاور هو العنوان القادم، والساحة هي مشرقنا العربي، وطبيعة المواجهة هي من سيحدد طبيعة موازين القوى وطبيعة التقسيم القادم، فإما تشبيك جديد يؤدي لإستيعاب كافة المكونات الإثنية والدينية والمذهبية في سوريا الكبرى والعراق وجزيرة العرب، وإما دويلات صغيرة مُسيطر عليها وفق النموذج "اليوغسلافي" وبحماية "إسرائيلية-أمريكية".. المخاض بدأ منذ فوز "ترامب" وإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل، والمخاض يُعلن عن نفسه بقوة بالتصريحات حول السيادة الإسرائيلية على "الجولان"، وأعتقد أن المتبقي للبدء هو الصاعق المطلوب لإطلاق شرارة الحرب الكبرى، خاصة أن "نتنياهو" واليمين الإسرائيلي المتطرف جاهزون وليسوا بحاجة لتشجيع من أحد.

ضمن هذا المفهوم يبقى الوضع الفلسطيني الداخلي للأسف غير مؤهل لأي دور فاعل، "غزة"  تواجه حراكا إجتماعيا بالقمع والإضطهاد وتحت مسمى المؤامره على المقاومة "هذا كذب وإفتراء" وإتهام السلطه في رام الله بذلك، وفي الضفة حدث ولا حرج، الإهتمام الأساسي مُنصب على مواجهة المعارضين وقطع رواتبهم ومواجهة حركة "حماس"، وإطلاق التصريحات والبيانات ضد الإنتهاكات اليومية والسياسات الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية وتحت مسمى "الثوابت الوطنيه".

لأول مرة سيكون السياق المؤسسي الفلسطيني مُمَزّق ومنقسم ضمن مفهوم المحاور القائم في المنطقة، ودوره سيقتصر على إنتظار النتائج وجزء منه سيكون لجانب المعركة الكبرى خاصة في "غزة" إذا بقيت أصلا "غزة".

* كاتب فلسطيني يقيم في رام الله. - Firas94@yahoo.com