2019-03-24

اغلاق الحسابات..!


بقلم: د. هاني العقاد

قد تكون بعض الانظمة العربية اغلقت حساباتها مع اسرائيل ودخلت في حالة عشق وهمي وعلاقة محرمة بأنوف صاغرة وكرامة مهدورة وشرف منتهك، فلم يحافظ العرب مع هذه العلاقة على كرامتهم وشرفهم وكبريائهم وارضهم بلا تقسيم لا بل ان ثرواتهم  ونفطهم وذهبهم وكل ما يملكوا باتت في خدمة المشاريع المشبوهة لتصفية القضية الفلسطينية. قد تكون بعض الانظمة العربية  الاخرى اغلقت الحسابات رسيما باتفاقيات سلام مضى عيلها اكثر من اربعين عاما دون ان تحقق هذه الاتفاقيات اي استعادة لحقوق الفلسطينيين او تعينهم على حق تقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية او حتى حماية المقدسات من دنس الاحتلال اليومي الذي بات ينذر بتقسيم مكاني حقيقي للمسجد الاقصي دون ادني اعتراض اسلامي وعربي. هذا امر عادي لكن غير العادي  اليوم ان يهرول البعض لاغلاق الحسابات مع اسرائيل بالمجان ودون ان يدخل في اتفاقيات سلام علنية وعلى واقع مشهد امريكي منحاز تماما لاسرائيل يعترف رسميا بالقدس عاصمة لاسرائيل ويعلن ان الجولان خالصة لاسرائيل..!

الاسبوع الماضي عندما نفذ  فدائي فلسطيني (عمر أبو ليلى) عملية بطولية في "مستوطنة ارئيل" المقامة على ارض الضفة المحتلة وقتل اثنين من الجنود الاسرائيلين واصاب آخر ومضي يطلق النار على من تراه عينه من مغتضبين، كشف لمن يهرولوا لاغلاق الحساب مع اسرائيل مدى ضعف جيش اسرائيل وجبنهم وعدم قدرتهم على المواجهة الحقيقية. اختفى هذا البطل واخذت اسرائيل تبحث في كل مكان حتى استطاعت بعد 60 ساعة ان تصل الى مكانه وتستخدم كل ما لديها من رصاص وصواريخ ليرتقي شهيداً. حينها خرج نتنياهو ليقول ان اسرئيل قد اغلقت الحساب مع منفذ عملية ارئيل "عمر ابو ليلى". ولعل هذا التصريح اثار شهيتي لكتابة هذا التحليل الذي يأتي بالدليل ان اسرائيل بجيشها وعدته وتفوقه الحربي ليس لديها القدرة على اغلاق الحساب مع الفلسطينيين فرادى او جماعات، طرف او اطراف، ولو وسطت كل المال العربي لشراء الذمم واستمرت باللعب على وتر الاغراءات المادية والمعنوية.

كانت اسرائيل قد اعلنت قبل هذا انها اغلقت الحسابات مع بعض الفدائيين لكنهم  فتحوا الطريق امام "عمر ابو ليلي" الذي واجه المحتلين بذات الاسلوب واوقع خسائر بين صفوف الجيش والمستوطنين.. فهناك الشهيد "اشرف نعالوة" منفذ عملية "بركان" الفدائية الذي اختفى واربك كل حسابات اسرائيل، والشهيد "صالح البرغوثي" منفذ علمية "عوفرا" الذي قتل جنديين واصاب ثالث، ولا ننسى الاسير البطل عاصم البرغوثي الذي شارك اخاه عاصم العديد من العمليات الناجحة بنفس  الاسلوب الذي دأب علية الفدائيون الفلسطينيون بعد تطور العمل الفدائي من الدهس الى السكاكين ومن ثم العمليات المزدوجة، دهس واطلاق نار او طعن وخطف سلاح واطلاق نار. 

عادة ما تعلن اسرائيل انها اغلقت الحسابات مع الفدائين بعد كل عملية فدائية دون ان تدرك ان اغلاق الحساب لن ينتهي مع الشعب الفلسطيني باغلاق الحساب مع الفدائين منفذي العمليات الفدائية، فكلما اغتالت فدائي خرج آخر وخطط بقدرات فائقة الدقة تعكس عقلية الانتماء الوطني والعمل المناهض للاحتلال وجرائمة التى لم تتوقف منذ سبعة عقود واكثر. الملاحظ ان معظم العمليات الفدائية الناجحة اليوم باتت تتم على اساس الاستيلاء على سلاح الجنود الاسرائيليين  واطلاق النار على جنود او مستوطنين لايقاع اكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية. ولعل معظم الدلائل باتت تشير بقوة الى ان هذا المسلسل لن يتوقف بل اصبح يتجه الى تصاعد ولن تستطيع اسرائيل مواجهته بسهولة على  الارض لأن مسببات العمل الفدائي باقية ولم تسحبها اسرائيل، فلا اعتقد ان يقبل احد من الفلسطينيين ان يستمر اقتحام المسجد الاقصي وتدنيس باحاته يوميا وأن يستمر حرمان الفلسطينيين من الوصول اليه بحرية ويصمت.. ولا اعتقد ان يقبل احد من الفلسطينيين ان يرى تدشين مئات الوحدات السكنية في مستوطنات الضفة الغربية ويصمت، ولا يقبل احد باستمرار اغلاق المدن الفلسطينينة بالحواجز المذلة ويصمت.. وبالطبع لا يقبل الفلسطينيون الاقتحامات الليلية واعتقال العشرات يوميا بلا سبب  ويصمتوا.

اغلاق الحسابات ليس بيد اسرائيل وانما هو بيد الفلسطينيين وحدهم وغير مطروح ان يغلق الفلسطينيون الحسابات مع الاحتلال، ولا اعتقد ان تتقدم اي اطراف فلسطينينة مهما كانت سطوتها او سلطتها ومهما حاولوا اغرائها بالمال والكيانات الزائفة البديلة على اغلاق الحساب. ولا اعتقد ان اي من الفلسطينيين يقبل بان ينوب احد عنهم  ليغلق حسابات باسمهم او ينهي الصراع  نيابة عنهم.. وان قبل بعض الحكام بالخطة الامريكية واغلقوا حساباتهم مع اسرائيل فهذا شأنهم لان اغلاق الحساب واقع فعليا منذ عقود وما التطبيع والانحدار في البيع المجاني ليس سوى طلبا لرضي امريكا لتستمر في ارسال المعدات والجند لحماية تلك الانظمة..!

لا الاعدامات خارج القانون والاعتقال ولا هدم البيوت ولا النفي والابعاد يمكن ان يجبر الفلسطينيين على اغلاق الحسابات.. الشهداء يفتحوا الحساب بدمهم من جديد مع اسرائيل، ويلحقهم شهداء جدد، وحب الارض لن ينتهي والتصدي للمحتل باق طالما بقي محتلا لأرضنا، فلا اعتقد ان يقبل الشهداء والأحياء على السواء ان يغلق الحساب مع اسرائيل ضمن اي خطة يبقى معها الاحتلال في ارضنا، فالحسابات مفتوحة وبنادق المقاتلين مشرعة تعرف طريقها الحقيقي طالما بقي المحتل وبقيت اشكاله وموبقاته العنصرية.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com