2019-03-26

الانتخابات الإسرائيلية: هل من حديث عن السلام؟


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لم يعد سؤال "لماذا الانتخابات الإسرائيلية المبكرة" قائما. الآن والإنتخابات على الأبواب المهم أن نقرأها جيدا، فالسؤال عن ماهية البيئة السياسية التي تجرى فيها الانتخابات سواء الداخلية او الخارجية؟ وما هي اجندات الأحزاب السياسية المتنافسة؟ وهل للسلام من مكان في هذه الانتخابات؟

هذه الانتخابات تأتي بعد محاولات من نتنياهو لتأجيلها لهذا الوقت حتى يكون بمقدوره الإستعداد والتهرب من تهم الفساد، وضغوطات الإدارة الأمريكية بشأن "صفقة القرن"، وفي أعقاب أزمة قانون التجنيد للحريديم، وهو السبب المباشر للتبكير بهذه الانتخابات.

يدخل نتنياهو هذه الانتخابات بكل قوة لتحقيق طموح شخصي أن يكون اول رئيس وزراء لإسرائيل يحكم منذ 1996، أ ييتجاوز فترة حكم بن غوريون. ولتحقيق هذا الهدف سيواصل نتنياهو وبكثافة سياسات الإستيطان، والمبالغة في المخاطر الأمنية سواء في الشمال أو الجنوب، وليس مستبعدا لو أدرك نتنياهو ان فرصه قليلة بالفوز ان يذهب لحرب جديدة أقربها وأسهلها له جبهة غزة..!

يذهب نتنياهو للإنتخابات وليس في أولوياته ولا أجندته موضوع السلام، بل سيتهرب ويتجاهل أي ذكر لحل الدولتين. ولا شك سيستغل إنفتاحه عربيا، وقد تتاح له زيارة جديدة لعاصمة عربية تكون بمثابة ورقة رابحة لدعم موقفه، وانه القادر على تحقيق أمن وإستقرار إسرائيل..!

هذه الإنتخابات في الواقع هي منافسة بين الأحزاب والقوى اليمينية، اكثر منها منافسة بين اليمين وقوى اليسار. وسيحكم نتيجة هذه الانتخابات المتوقعة سيطرة وقوة الإتجاهات اليمينية المتشددة والطاغية في إسرائيل ووسط كراهية غير مسبوقة، وسيلقي التصعيد العسكري على جبهة الجنوب من غزة بتبعياته، وخصوصا إذا إستمرت المسيرات قائمة حتى موعد الانتخابات، وستستمر.. 

والبيئة السياسية في إسرائيل وخلافا للقاعدة السياسية المعروفة أن سياسة إسرائيل الداخلية تحددها السياسة الخارجية ـ وان السياسة الداخلية إمتداد للسياسة الخارجية، هذه القاعدة أعتقد لن يكون لها تأثير في هذه الانتخابات، وان من سيحدد النتيجة قوة هذا اليمين.

والحديث ليس عن فوز اليمين بقدر الحديث عن عدد المقاعد التي يمكن أن يحصل عليها، فالتطلعات ان يتجاوز نسبة الأغلبية البسيطة، أي 61 مقعدا، وهذا يتوقف على ما يمكن أن يحصل عليه اليساراو يسار الوسط الذي يمثله الحزب الجديد "أزرق أبيض" بزعامة غانتس والقائمة العربية المشتركة. وعموما يمكن القول ان البيئة السياسية الداخلية ليست بيئة داعمة للسلام والمفاوضات، لذلك سنجد تغييبا لها بشكل تام. ما سيطرح قضايا الإستيطان والقومية ورفض أي تواجد للدولة الفلسطينية، وان أقصى ما يمكن ان يوعد به الفلسطينيون بعضا من الحقوق الإقتصادية..!

وتلعب البيئة الإقليمية دورا في دعم الإتجاهات اليمينىة، مثل تضخيم المخاطر الإيرانية في سوريا، وتنامي موجة الإرهاب والتشدد.. ولعل ما قد يحسم نتيجة هذه الانتخابات زيادة عمليات الطعن، او توقع عملية داخل إسرائيل كما نرى في الآونة الأخيرة ما يجري في الضفة.

ولا أوتوقع أن تكون هناك ضغوطات خارجية للتأثير في الانتخابات الإسرائيلية، فهناك أولويات وإنشغالات على المستوى الدولي، تقلل من الاهتمام بالإنتخابات الإسرائيلية، والتي من أبرز مظاهرها التراجع بمسألة السلام، وبداية النظر للصراع الإسرائيلي الفلسطيني على انه صراع ثنائي. لذلك المتوقع ان تتم هذه الانتخابات في ظل بيئة مريحة لليمين، وتوقعات فوزه.

السؤال ما المتوقع بالنسبة لنتنياهو؟وما إنعكاس ذلك على عملية السلام؟

هذه الانتخابات مباراة سياسية لمن يسجل نقاط أكبر على حساب السلام والمفاوضات، وحساب الفلسطينيين..!

ويذهب قادة الأحزاب المتنافسة بدون إستثناء إلى التمادي بأن كل منهم الأجدر في تحقيق الأمن، والإستيطان.. فلا أحد يذكر حل الدولتين، ولا التفاوض مع الفلسطيينيين، ولا حديث عن "صفقة القرن".. نتنياهو يفاخر بما أنجزه من إستيطان وتهويد وقوانين القومية ومباهاته بالدعوة لطرد العرب في داخل إسرائيل إلى الدول العربية الأخرى، وغانتس يتفاخر بسجله الأمني وما قام به من إغتيالات لقادة فلسطينيين.. وباقي قادة اليمين يذهبون بعيدا في عنصريتهم وقوميتهم. 

وهذا يضعنا امام ثلاثة احتمالات.. الأول فوز اليمين برئاسة نتنياهو، وهو إحتمال كبير، وهو يعني الإستمرار في نفس السياسات السابقة ولا مجال امام الفلسطينيين لأي فرصة للتفاوض.
والإحتمال الثاني، وهو قد يكون مفاجأة الانتخابات فوز حزب غانتس وتمكينه من تشكيل الحكومة بدعم من القائمة العربية، وهنا قد نتصور إحتمال المفاوضات ووقف حجز الأموال الفلسطينية وهذا ما يأمله الفلسطينيون. وتنتظر قراراتهم هذا الإحتمال.
والإحتمال الثالث حكومة مشتركة بين الليكود وغانتس وهو إحتمال قائم وهدفه التعامل مع "صفقة القرن"، وسوف يشكل عقبة أمام الخيارات الفلسطينية، في جميع الأحوال هي انتخابات ليست من أجل السلام بقدر ما هي تثبيت وفرض رؤية "الليكود" الرافضة للدولة الفلسطينية وحصرها في غزة.

ويبقى السؤال كيف سيتعامل الفلسطينون مع نتيجة هذه الانتخابات؟

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com