2019-03-29

حياة عاطف أبو سيف المعلقة


بقلم: د. أحمد جميل عزم

هناك روايات تصل قسوتها في رواية الواقع كما هو، درجة أنك قد تضعها أثناء القراءة وترتاح منها قليلا، ثم تعود إليها. حدث معي هذا في روايات، ولكن ليس وأنا أقرأ رواية عاطف أبو سيف “حياة معلقة”، ولم تمنعني من قراءة روايته اللاحقة “الحاجة كريستينا”، ولكن الحقيقة أنّه أصبح صعباً علي أن أخرج الرواية الأولى، الصادرة منذ العام 2015، في عدة طبعات، والتي وصلت للقائمة القصيرة على جائزة البوكر للرواية، من على رف الكُتُب، واستمرت الصعوبة أياماً بعد الأنباء عن ضربه بشكل مبرح إلى “حافة الموت” في قطاع غزة، ضمن عملية قمع حراك “بدنا نعيش” الذي بدأه الناس هناك.

صعوبة إخراج الرواية كان يرتبط بالدرجة الأولى بحبكتها الأساسية، فشخصية الرواية الأساسية هي “نعيم” صاحب مطبعة، باتت متخصصة بطباعة “بوسترات” الشهداء في قطاع غزة. تتراكم البوسترات في درج مطبعته، وعلى حيطانها. لكل شهيد قصة، ولطريقة طباعة البوستر قصة، ولمن لا يريد أهله أن يطبعوا بوستر له قصة، وهو أن تصبح الصور وأصحابها وابتساماتهم أرقاً داخلياً في حياته.

بات فتح غلاف الرواية رغم ما فيها عن قصص الدراسة والحب والحياة في غزة، وقصص إيطاليا وأوروبا والهجرة والتعليم في الجامعات، وزواج عامل المقهى باسبانية، و…إلخ، رغم كل هذا العالم، تخشى إن فتحت غلاف الرواية خروج صور الشهداء لتداهمك، تسألك من المسؤول أن “شوارع المخيم تعجّ بالصور”، ومن المسؤول عن استمرار الدم دون الوصول للحرية والأهداف التي ضحوا لأجلها؟ عدا الاحتلال طبعا.

لكن منذ ضرب عاطف أبو سيف، دارس الأدب الانجليزي، في بيرزيت، والعلوم السياسية، من جامعتي برادفورد البريطانية، وفلورنسا الإيطالية، المولود في جباليا في غزة، المتحدّر من يافا أصلاً، وأيضاً مشاهد التحقيق والتعذيب في الرواية تزعج وتُلِح.

في الروايتين، “حياة معلقة” و”الحاجة كريستينا”، (وربما في رواياته الأخرى التي لم أقرأها)، يحكي عاطف قصة غزة، واللاجئين فيها، روايته تمتد على عشرات السنوات، بدءا من الخروج من يافا، إلى حياة اللجوء، بكل ما فيها، بالفتاة التي فقدت أهلها وهي تتعالج في بريطانيا العام 1948، تعود وقد حصلت على الجنسية البريطانية وبدأت الدراسة الجامعية، وترفض ترك مخيمات غزة، حتى بعد اتضاح أن أهلها ذهبوا بدون عودة، وتصبح قابلة وممرضة، اسمها الحاجة كريستينا، نسبة لاسمها البريطاني. وفي الروايتين الكثير من معالم الحياة العالقة، في غزة؛ لاجئون علقوا هناك، بدءا من استعصاء العودة لوطنهم الأصلي (مدنهم وقراهم)، لصعوبة الأوضاع المعيشية والاقتصادية، حتى قصص الحب والزواج عالقة، وقضية طلاق تدوم في المحاكم عشرات السنوات.

لكن عاطف يختار البقاء في غزة، رغم أن “ألف” باب مفتوح أمامه في العالم والضفة الغربية، ورغم النصائح والدعوات للمغادرة.

منذ ضرب عاطف تلح علي مشاهد الروايتين، ولكن تلح مشاهد الأصل أن ذاكرتي مسحتها، ولكن لا أعرف كيف عادت لي. مشهد عاطف، أو مشهدان، في المجلس الوطني الفلسطيني، والمجلس المركزي، وهو يسأل ويعارض وينتقد السياسة الرسمية الفلسطينية، بشأن قطاع غزة، ومسألة خفض الرواتب، هذا رغم أنه ناطق رسمي باسم حركة “فتح”، إلا أنّه كان في الأطر الرسمية، مدافعاً عن أهله، كأنه كان يقول للجميع، “بدنا نعيش”، لم يكن الموضوع موجهاً ضد احد، بل هو لصالح أهل غزة. والمشهد الآخر الذي استعدته، مع ضرب عاطف أبو سيف، حد الموت، هو أثناء ذهابنا معا، مع آخرين، في باص، من رام الله إلى الخان الأحمر، للتضامن مع الصامدين هناك. من بين أمور أخرى، تحدثنا عن يافا وكيف يكتب عنها، وطرائف الناس في غزة، وياسر عرفات وذكرياته في غزة، وعن الفلسطينيين في أميركا اللاتينية، واتصل بي بعدها مرات يسأل كيف نصل إلى كاتب يكتب عن الفلسطينيين في تشيلي وأميركا اللاتنينية، للمجلة التي يحررها (سياسات)؟. لا أذكر أنه كان موتوراً أو متحفزاً ضد أحد، حتى السلطة في غزة.

عاطف مؤرخ لحياة غزة برواياته. ربما لم يكن هذا وراداً في ذهن من انهالوا ضرباً عليه، والذين لم يراعوا هدوء واتزان عاطف، وإمكانية الحوار معه في أي خلاف، ولكن أخطر ما فعله عاطف قوله في رواياته، وبوجه الجميع، “بدنا نعيش”.

* مدير برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد ابراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بيرزيت. - aj.azem@gmail.com