2019-03-29

العنف الفردي يهدد السلم الأهلي المقدسي..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

كأنّ مدينة القدس الفلسطينية العربية المحتلة منذ خمسة عقود ونيف، والتي تعاني مشاكل جمة نيجة هذا الإحتلال الإستيطاني المتوحش ولا ينقصها المزيد من المشاكل، لكن ظاهرة العنف الفردي بدأت تستشري في أنحائها وتدق أبوابها، لتقض مضجعها، ولتقلق سكانها شيبا وشبانا خوفا عليها من تداعياتها المدمرة، وآثارها السلبية الضارة وتهديدها لنسيج السلم الأهلي المقدسي. وهي جزء من الكل الفلسطيني المحتل المعاني.

بعد مرور أكثر من خمسين عاما على الإحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس العربية، ونتيجة للسياسة  الإسرائيلية المتعمدة والمقصودة بتفريغ بيت المقدس من سكانها الفلسطينيين سواء على صعيد التنظيم والبناء، أم على صعيد لم شمل العائلات وسحب الهويات، أم على صعيد التأمين الوطني والصحي وملاحقة عملائهما، أم على صعيد الضرائب وجبايتها، تكاثرت صيحات التذمر والنقد لهذه السياسة الإسرائيلية القائمة على التمييز العنصري. ومعاملة الفلسطينيين العرب على أنهم مواطنين من الدرجة العاشرة بل أقل من ذلك.

ولم يكن الإهمال المتعمد لشوارع القدس العربية  وأحيائها وحاراتها وأزقتها ومدارسها ومرافقها الأساسية إلا مظهرا بسيطا لتلك السياسة الإسرائيلية العنصرية التمييزية. وقد بدأت في التفاقم مشاكل حياتية لمواطني القدس العربية مع ازديادهم ونموهم، رغم أنها كانت موجودة بشكل بسيط  منذ الإحتلال الإسرائيلي وكان يمكن التغلب عليها بقليل من المعاناة والصبر، وزادت نتيجة لانعدام المرافق الأساسية وتقاعس بلدية القدس عن تقديم الخدمات الأساسية والحيوية لسكان القدس العربية.

لذا خرجت بقوة إلى الشارع المقدسي ظاهرة أزمة الإسكان المقدسي كظاهرة تستعصي على الحل الفوري، وارتبط بها ما أطلق عليه تجاوزا وخطأ البناء المخالف أي البناء غير المرخص. ورافق ذلك عدم تطوير الشوارع المحلية المقدسية، بل بقيت على حالها دونما تجديد أو إضافة. ونظرة بسيطة وسطحية على شوارع رام الله أو بيت لحم المجاورتان للقدس منذ عقدين وليس من خمسة عقود ومقارنتهما بشوارع القدس نرى عجبا عجابا. فبينما نرى فيهما شوارع فارهة عصرية نرى في القدس شوارع ضيقة تفتقر إلى المرافق الحيوية الأساسية. بل يمكن القول أن أسوأ شارع في المدن المجاورة – اللهم لا حسد – يعادل أفضل شارع في القدس العربية. ناهيك عن أن شوارع القدس الغربية تنعم بشوارع وحدمات تحتية لا يضاهيها إلا الشوارع الأوروبية.

افتقار القدس العربية الفلسطينية للخدمات التحتية، جعل سكانها يضيقون ذرعا بما يجري فيها من مواصلات وسيارات وشوارع ومصاف ومضايقات وأزمات. وجعل بعض مواطنيها لا يصبرون على أخيهم المقدسي في محنته التي يعاني منها هو أيضا. وجعل البعض يتصرف بعنف تجاه أخيه إلى درجة العنف الجسدي الدموي. وتطور الأمر إلى درجة من القسوة والحرق وغدا العنف الوسيلة الأساسية، لحل الخلافات الصغيرة وحتى الهامشية وليست الكبيرة.

تخيلوا معي أن شخصا يمكن أن يشتبك بعنف دموي مع أخيه الفلسطيني المقدسي نتيجة لموقف سيارة، أو تنزيل راكب، أو تنزيل أمتعة أو أثاث لدقائق معدودة، ولم يعد أحد يتحمل جاره أو زائر جاره في صف سيارة أو ما شابه ذلك، وكأنه أضحى مالكا للشارع والموقف. ولم يعد هناك من نخوة أو أخلاق حميدة أو تسامح أو قيم. وهنا دخل رجال القضاء العشائري بحسن نية أو سوء نية وزادوا الموقف تعقيدا وغليانا عبر طلبات ودفعات وما إلى ذلك.

حاول البعض، من ذوي الصفات الحميدة، وقد هالهم مشكلة العنف المستفحلة في القدس العربية عبر تشكيل لجان الإصلاح الحميدة من خلال أشخاص عشائريين، وشكل المحافظ لجنة لهذا الغرض لتسعى إليه، ولا باس أن تتدخل المقاطعة بتشكيل مثل هذه اللجنة، ولا مانع من أن تشكل لجنة نتيجة اعتبارات خاصة، دينية أو قروية أو حاراتية أو زقاقية أو محلية، لتساهم في حل هذه المشكلة المستفحلة. وبذا كثرت اللجان بل قل تقاطعت أو تعارضت بدل أن تتكامل. ويبدو لي أن جميع هذه اللجان لم تستطع أن ترصد موازنة محترمة للتصرف في منازعات العنف، ولم تستطع أن تقوم بجهد توفيقي غير عشائري لحل معضلة العنف. المشكلة أن الكثيرين من أعضاء هذه اللجان لا يفكرون إلا بحلول عشائرية التي قد تكون أحيانا بعيدة عن الدين وقواعده والقانون وأحكامه، بل معظمهم يلهثون خلفه، وكل قاض عشائري له لقب في ذلك وصفة.

لا جدل أن العنف هو نتيجة وليس سببا، وله أسباب عدة منها ماهو إسرائيلي نتيجة للإحتلال الإسرائيلي الطويل الأمد وهذا واضح بين، وبعضها ناتج عن انهيار قيمنا التاريخية والدينية كالأخلاق والتفاني والإخلاص وحسن الإستقبال وسعة الصدر.  لكننا يجب أن لا نحمل الإحتلال الإسرائيلي جميع مشاكلنا ونعزوها إليه فبعضها هي ذاتية ولو أحسنا حلها لقلت تلك المشاكل ولأفقدنا الإحتلال الإسرائيلي وسيلة هامة للولوج إلى داخلنا وتمزيقنا.

في رايي ان العنف المقدسي يحدث نتيجة لخلافات على حقوق وملكيات وعقود أو منازعات هامشية عاطفية ارتجالية. فأما الحالة الأولى فهي منازعات على إرث أو دين أو ملكية أوحدود أرض أوبناء ملاصق أو فتح شبابيك أو غش أو نصب أو احتيال وما إلى ذلك من منازعات عينية في جلها. وأما الحالة الثانية فهي موقف سيارة أو تعريض لسيارة قفل مدخل أو بناء أو السب والقذف والتعرض وما يحدث من فورة دم نتيجة ذلك.

الحل يكمن في رأيي لمعالجة الحالة الأولى تكمن في تشكيل لجنة من الناس الحصيفين الحكماء العارفين بالعلم وبالتربية والقانون والدين وممن يتصفون بالأخلاق الحميدة واليد النظيفة ليبتوا في هذه النزاعات بين المقدسيين وفق القانون والقواعد يرغبون فيها،  بدل توجههم للمحاكم الإسرائيلية. ولا بأس أن ترصد موازنة مالية معقولة لهذه اللجنة، حتى تساعدها في حل الخلافات حتى يشتد عودها وتغدو أساسا من اسس السلم الأهلي المقدسي. وليتنا نبتعد عن الذاتية، لنستولي على هذه اللجنة، سواء أكنا مؤسسات أو أفراد وعلى عضويتها، فالمجتمع المقدسي عارف بهذه الأمور ويجب أن لا نبدأ لأمر ونحن متأكدون من فشله.

أما الحالة الثانية فيجب أن تكون لحقن الدم فقط ومن أجل إقرار السكينية بين الشخصين أو العائلتين. اما أن يبت القضاء العشائري في قضايا لا يعرفها مثل المنازعات التجارية أو الإيجارات أو الديون أو السجن أو الحبس أو المخالفات فيجب أن يتركها لأهلها والعارفين بها، ويجب أن يتوقف أهل المناصب والمحافظين والمحامين السير في الركب العشائري إلا في حالة حقن الدم.

كثيرة هي المتطلبات لوقف ظاهرة العنف في بيت المقدس، بعضها يحتاج مالا، وبعضها يحتاج تدخلا سلطويا، وبعضها يحتاج تغييرا فكريا وفلسفيا، وبعضها يحتاج تغييرا دينيا، لكن هذه الإحتياجات إما غير متوفرة أو عير متاحة في الزمن القريب الذي يدق فيه العنف أبواب مجتمعنا ويهدد السلم الأهلي فيه، بل يخشى من تمزيقه وانفلاته ويغدو العنف بدمه المسفوح، الحل الأساسي لكل المشكلات المستعصية.

العنف المقدسي يحتاج لوقفة سريعة عبر القضاء على كثير من أسبابه أو على الأقل تحييدها، وإلا دخل المجتمع المقدسي في حالة من الضياع  والتشتت، وفقدان السلم الأهلي، والتراجع عن مكتسباته وقيمه، وولوج الإحتلال الإسرائيلي للحصانة الوطنية المقدسية . صحيح أن الروح تواقة وأن الجسد ضعيف، لكن لا وردة من غير شوكة..!

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com