2019-03-29

الاولويات الاقتصادية والمالية للسلطة في ضوء ازمة المقاصة


بقلم: د. حازم الشنار

اولا- خلفيات الازمة

البعد السياسي..
تم استخدام الازمة الاقتصادية والمالية الخانقة في اراضي السلطة الوطنية الفلسطينية من قبل الادارة الامريكية للضغط السياسي من اجل قبولها بصفقة القرن بالتوازي مع  قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل ونقل السفارة الامريكية اليها واغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن وانهاء مهمة القنصلية الامريكية بتمثيلها لدى السلطة.

ومن جانبها وبالترافق مع ذلك قامت اسرائيل بتكثيف حملاتها الاستيطانية في القدس والمنطقة "ج" واجتياحاتها لمناطق السلطة وحملات هدم البيوت ومصادرة الاراضي والاعدامات الميدانية والاعتقالات والقمع للاحتجاجات السلمية باستخدام القوة المفرطة واعادة الحواجز بين المدن واقتحام المستوطنين للمناطق المأهولة  وللاماكن الدينية وبشكل خاص المسجد الاقصى وتشديد الحصار على قطاع غزة. كما اقرت عدة قوانين لتغيير الوضع القانوني لللاراضي المحتلة عام 67 اخطرها قانون القومية واصدرت عشرات الاوامر العسكرية وعززت دور الادارة المدنية في الاراضي المحتلة.  

البعد المالي..
مع حالة الجمود في العملية السياسية تقلص الدعم الخارجي من مليار ونصف دولار سنويا منذ بداية القرن الى اقل من النصف اخر سنتين. وفي السنة الاخيرة تم ايقاف المساعدات الامريكية لفلسطين بما فيها المخصصة للانروا ولمشاريع البنية التحتية والامن وللقطاع الخاص بما مجموعه اكثر من خمسماية مليون دولار.

وبقرار من الكابينت والكنيست قامت اسرائيل مؤخرا باقتطاع ما يعادل مجموع المبالغ التي تدفعها السلطة كرواتب للشهداء والاسرى وعائلاتهم  138 مليون دولار من اموال المقاصة (ما يساوي 7% من موازنة السلطة و15% من عائدات المقاصة) اضافة الى ما تعتبره اسرائيل مستحقات لعملائها.

حيث تشكل عاذدات المقاصة مع اسرائيل وهي بالاساس صافي ايرادات ضريبة القيمة المضافة للسلع والخدمات التي يتم تبادلها بين اسرائيل ومناطق السلطة حوالي 50% من اجمالي ايرادات الخزينة الفلسطينية (نحو 2.5مليار دولار). واما النصف الاخر فقد كانت تشكله مناصفة الايرادات المحلية من رسوم وضرائب دخل وقيمة مضافة وجمارك وخلافه بالتوازي مع المساعدات الخارجية التي تدهورت الى النصف كما اسلفنا.

وبهذا من المتوقع ان يزيد  العجز في موازنة السلطة بنحو 20% من اجمالي الموارد المطلوبة لتغطية النفقات.

البعد الاقتصادي..
رغم ما اشيع عن النمو في بعض المؤشرات الاقتصادية في السنوات الاخيرة فإن الاقتصاد الفلسطيني تدهور معدل نموه  وزادت معدلات البطالة والفقر خصوصا في السنتين الاخيرتين كما تشير البيانات الاحصائية الرسمية وباعتراف المنظمات الدولية، وذلك بسبب اجراءات الاحتلال  قبل كل شيى خصوصا في قطاع غزة ولكن ايضا بسبب عدم تحقيق نجاح خطط واستراتيجيات الحكومة في هذا المجال.

ثانيا- اسلوب التعامل مع الازمة..
على الرغم من كل المقدمات والاجراءات التي اتبعتها الادارة الامريكية للضغط المالي والاشارات والتلميحات من الجانب الاسرائيلي للعقوبات الاقتصادية المترتبة على استمرار نشاطات المقاومة وتصاعدها ومن بينها العمليات المسلحة وعلى الرغم من استخدام اسرائيل في السابق لعائدات المقاصة كوسيلة للابتزاز السياسي من السلطة لم تتخذ السلطة اية اجراءات احتياطية ولم تعد اية خطة طوارئ لتبنيها حال لجوء اسرائيل الى مثل هذه الاجراءات والاهم انه لم يتم تحضير الشارع واعداد المواطنين لسياسة شد الاحزمة على البطون وسواها من الاجراءات الدفاعية.
  
وعلى الرغم من سكوت السلطة في السابق عن كل الاقتطاعات التي كانت اسرائيل تقوم بها من اموال المقاصة بذرائع مختلفة تحت ما عرف ببند صافي فائض الاقراض خلافا للاتفاقيات الموقعة معها واهمها بروتوكول باريس  وذلك لتغطية ديون الكهرباء والمياه والخدمات واهمها التحويلات الصحية وغيرها من المستحقات للشركات الاسرائيلية فقد قامت هذه المرة بارجاع اموال المقاصة كاملة الى اسرائيل لحين استردادها كاملة غير مجزوءة.

وكخطوة لمواجهة الازمة المترتبة على شحة الموارد لجأت السلطة الى تقليص دفع الرواتب لموظفيها وبصورة مفاجئة 50% (نفس نسبة ايرادات المقاصة من اجمالي ايرادات السلطة) واستعانت بالكامل لتمويل الـ 50%  التي دفعتها  بالبنوك  وليس بايراداتها الذاتية مما يزيد الدين العام بنحو 50 مليون دولار شهريا. كا جمدت وزارة المالية الرديات لشركات القطاع الخاص.

ثالثا: النتائج والتداعيات..
لقد تأثرت بهذا القرار بالدرجة الاولى الفئات محدودة الدخل من موظفي القطاع العام فقط مما عمق ازمة الفقر وتعزز انعدام العدالة الاجتماعية. ونظرا لدور الرواتب الهام في العجلة الاقتصادية فقد تأثرت بشكل كبير حركة السوق المحلي  ولوحظ ركود واضح فيه. كما تأثرت قدرة الموظفين على دفع التزاماتهم تجاه  مقرضيهم من بنوك وسواهم وكذلك من مؤجريهم . كما لوحظ احجام من المستهلكين من الاقبال على الشراء فتقلص الاستهلاك العام من السلع والخدمات.

رابعا- الحلول المقترحة

المنطلقات..
•    لا بد من السعي لتحقيق العدالة الاجتماعية  من خلال تقاسم الاعباء بحيث يساهم كل افراد وشرائح وفئات المجتمع بشكل متناسب ومواز مع مدخولاتهم في تحمل اعباء المرحلة.
•    لابد من اجراءات سريعة من اجل اعادة ثقة الشعب بالسلطة وردم الهوة بينهما.
•    لابد من اعتماد الحلول التشاركية والمدعومة من الشعب  مسبقا. 
•    لابد من التفاف الشعب حول القيادة في مواجهة  سياسة الغطرسة والضغط الامريكية والاسرائيلية

ا- آنيا
1.    اجراءات لتقليص النفقات الحكومية والتقشف  بشكل واضح وفوري في بنود المصروفات المحددة والمقترحة من مؤسسة امان.
2.    انشاء صندوق خاص لمساندة الاسرى واسر الشهداء والقيام بحملة تبرعات شعبية ووطنية عامة لتوفير الموارد اللازمة له ودفعها من خارج ميزانية السلطة.

3.    اجراءات لزيادة الموارد المحصلة ذاتيا:
-    السعي لتحصيل ضريبة القيمة المضافة والجمارك على السلع الواردة لمناطق السلطة بصورة مباشرة دون الاعتماد على تحصيلها من اسرائيل باستخدام بيوت التخليص على المعابر. وتكثيف دور الضابطة الجمركية وتعزيز مواردها وكفاءتها العملياتية وزيادة نشاطاتها لتشمل كل المعابر وحدود التماس.
-     بدون فرض ضرائب جديدة القيام بحملة مكثفة لتقليص التسرب المالي والتهرب الضريبي.  بالسعي لاستيفاء الضرائب من المكلفين بشكل اكثر شمولا خصوصا من المهنيين والحرفيين توسيع قاعدة الجباية الضريبية) بعد استيفاء البيانات الضريبية  الشاملة والصحيحة من المتهربين وترسيخ استخدام الفاتورة الضريبية اساسا لكل نشاط اقتصادي.
-     مقاضاة اسرائيل على كل المبالغ المقتطعة من مستحقات المقاصة، واستخدام الضغوط الدولية عليها من اجل اعادتها كاملة.

ب- استراتيجيا
1.    اعادة هيكلة النفقات جوهريا بتقليص حصة الامن لصالح التعليم والصحة والزراعة من ناحية وزيادة حصة النفقات التطويرية على حساب النفقات التشغيلية  وتوظيف الوفورات في المصروفات لللاستثمار في المشاريع المنتجة من طاقة بديلة ومياه وزراعة وصناعة بالشراكة مع القطاع الخاص.
2.     اعدة النظر بسياسة التوظيف وبشكل خاص التعيينات والترفيعات وكذلك اعادة النظر بسلم الرواتب والرتب والمكافآت  ومراعاة العدالة بين الوظائف المدنية والعسكرية  والسعي التدريجي من انتقال التشغيل من القطاع العام الى القطاع الخاص ليس من خلال التقاعد القسري وانما من خلال خلق باقات حوافز لمن لديهم نية بترك الوظيفة العمومية وانشاء مشاريع تشغيل ذاتي مدرة للدخل تشمل حوافز مادية ومعنوية وتدريب واستشارات.
3.    تشجيع المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلق البيئة الاستثمارية المحفزة لها وتطبيق استراتيجية الشمول المالي دون ابطاء ومحاولة الاستفادة من الودائع الموجودة في البنوك (10 مليار دولار) دون التركيز على التسهيلات والقروض الخدماتية وبشكل خاص لسيارات والشقق (حوالي 6 مليار) وعلى العكس التركيز على دعم  المشاريع الانتاجية.
4.    تعزيز جودة المنتج المحلي وقدرته التنافسية في السوق والسعي لتقليص العجز في الميزان التجاري ( 4مليار دولار) من خلال تقليص الواردات (5 مليار دولار) وزيادة الصادرات (مليار دولار)
5.    السعي لتحصيل مستحقات التأمين الوطني لنحو 200 الف عامل فلسطيني يعملون في اسرائيل ويضخون نحو ملياري دولار في الاقتصاد الفلسطيني سنويا.
6.    متابعة التزامات الجهات المانحة والسعي لزيادة المساعدات الخارجية لفلسطين وخصوصا لاعادة اعمار غزة.
7.    تعزيز مبادرات التنمية المحلية التي تقوم بها البلديات بالتعاون مع الغرف الصناعية والتجارية وباقي مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع الاهلي.
8.    القيام بجهود جدية حثيثة وتطبيق برامج ومشاريع حقيقية للتشغيل ومحاربة البطالة والفقر وتمكين الاسر الفقيرة والمهمشة وتحقيق العدالة الاجتماعية.
9.    محارب الفساد بكل اشكاله دون هوادة.


كل ما تقدم لا يمكن تحقيقه الا بتكاتف كل فئات الشعب وبالشراكة التامة بين القطاعين العام والخاص وبالتعاون مع كل مؤسسات المجتمع الاهلي وتحقيق الوحدة الوطنية الشاملة واعطاء الكفاءات الشابة والمهنية الفرصة للعمل. وآمل ان تسعى الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور محمد اشتية الاقتصادي المخضرم ذو العقلية المنفتحة لتحقيق هذه الاولويات.

* اقتصادي وأكاديمي فلسطيني. - hazemshunnar@yahoo.com