2019-03-29

الفلسطينيون وادارة الضرر..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لم تعد الأزمات تخضع للحسابات الغيبية والقرارات الإنفعالية وردود الأفعال غير المحسوبة موضوعيا وعلميا، ولا لمراهنات القوة والحسابات الإقليمية والدولية التي لا تخضع لقدرة صانع القرار في الأزمة على توظيفها كما يريد.

دراسة الأزمات باتت علما له قواعده وأصوله ومبادئه، وتدرس اليوم في الجامعات. هذا التوصيف لحالة الأزمة ينطبق على الأزمة الفلسطينية بين حركتي "فتح" و"حماس".

والأزمة تمر بمراحل متعددة الأولى مرحلة الأزمة الإستباقية أو الوقائية والهدف منها الحيلولة دون وقوع الأزمة ومعالجة أسبابها قبل أن تنفجر. والمرحلة الثانية في حال حدوث الأزمة مرحلة حل الأزمة بالتسارع لحلها قبل إستفحالها وتعقدها وهنا يمكن تصور الدور المباشر لطرفي الإنقسام او دور العوامل الخارجية التي لها مصلحة في حلها، وإذا فشلنا في هذه المرحلة ندخل في مرحلة إدارة الأزمة، وهي الاتفاق على قواعد ومبادئ لعدم إستفحالها والإتفاق على نقاط مشتركة، وإذا فشلنا نكون امام مرحلة إدارة الأضرار الناجمة على تطور الأزمة وتعقدها. هذه المراحل تطبق على تطور الحالة الفلسطينية من الإنقسام.

وإبتداء لا بد من الإشارة إلى أن أهمية الأزمة الفلسطينية أنها مرتبطة أولا بالقضية الفلسطينية وتوحد الشعب الفلسطيني، فخطورتها ان القضية الفلسطينية ما زالت قائمة، والإحتلال الإسرائيلي ما زال قائما، وإستمرار الإنقسام وتحوله لحالة سياسية من الإنفصال سيأتي على حساب القضية الفلسطينية، وثانيا ضرورة الإشارة ان القضية الفلسطينية لها أبعادها الإقليمية والدولية، وهو ما زاد من عوامل التدخل الخارجي في القرار السياسي الخاص بالإنقسام وزاد من تعقيداته لخضوعه لحسابات خارجية. والأمر الثالث عدم إدراك حجم التناقضات والتباعد الأيدولوجي والسياسي بين الحركتين الرئيسيتين والإعتقاد أن مشاركة "حماس" في الحكم يمكن ان يحتويها ويستوعبها، وهو على ما يبدو عكس ما فكرت فيه حركة "حماس" ان السيطرة على الحكم يعتبر أحد اهم إستراتيجيات الحركة في البقاء والهيمنة السياسية، وإعتقادا منها أن تريد الحكم وهذا ما ينقصها.

وكان يفترض منذ البداية وقبول حركة "حماس" للمشاركة في الحكم، ونجاحها في إنتخابات المجلس التشريعي بما يسمح لها بتشكيل أول حكومة برئاستها ان تشكل مجموعة أزمات وتطبيق مرحلة الدبلوماسية الوقائية والإستباقية ومعالجة التناقضات والوصول لقواسم مشتركة، وكان هذا ممكنا لأن وضع "حماس" لم يكن بالقوة التي تسمح لها بالرفض، وجاءت الفرصة أيضا مع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي كان يمكن البناء عليها للحيلولة دون إنفجار الأزمة. وهذا لم يحدث لتقوم "حماس" بإنقلابها والسيطرة على السلطة في غزة إعتقادا منها ان لها الحق في ذلك سياسيا. لتبرز وتنفجر الأزمة بشكل قوي، وهو ما يفترض الدخول في مرحلة حل الأزمة وهو لم يحدث، وهذا هو الخطأ والفشل الثاني.

ولقد ساعد عنصر الوقت حركة "حماس" في تثبيت وجودها، وساهمت الحروب الثلاثة التي خاضتها في تقوية مركزها، كوزيادة التعاطف الجماهيري الداخلي، وتلقي المزيد من الدعم الخارجي من الجاليات الإسلامية، ومن حركة الاخوان التي إعتبرتها نواة قوة لها ينبغي الحفاظ عليها، ويبدو ان هذا كان الهدف الإستراتيجي لحركة "حماس" من سيطرتها على غزة. هذا وقد ساهمت إسرائيل في إفشال هذه المرحلة بحروبها التي لم تكن تهدف التخلص من الحركة بقدر تطويعها سياسيا لمرحلة لاحقة.

والخطأ الذي وقعت فيه السلطة إهمال عنصر الوقت وعدم الذهاب لخطوات سريعة لمعالجة الأزمة. هذا الفشل ترتبت عليه تداعيات وصور كثيرة تجسدت في الخطاب السياسي والإعلامي الذي عمق من مسافة العداء والكراهية بين الحركتين، وفي صور الإعتقالات، وفي سيادة تفكير ونظرية المؤامرة لدرجة تفسير كل ما يتخذ من قبل السلطة بأنه يدخل في سياق المؤامرة، فالإجراءات السياسية التي إتخذتها السلطة تفسر بالعقوبات.

ومن اهم التداعيات السلبية عدم نجاح حكومة التوافق الوطني التي تم الاتفاق عليها، وعدم تمكينها سياسيا، يبدو أن الهدف الإستراتيجي كما أشرنا ليس العمل على نجاح الحكومة، وهنا ساهمت قوى خارجية كثيرة في تقوية هذا الإتجاه، بالدعم الذي تتلقاه الحركة من قوى إقليمية مثل قطر وتركيا، ومساعدة إسرائيل على الإستمرار في الحصار وتصويره أن السلطة هي من تفرضه.

وهذا هو الفشل في إدارة المصالحة التي تتوج الآن بمنعطفين خطيرين أولهما تشكيل حكومة جديدة برئاسة د. محمد إشتيه، وهو عضو للجنة المركزية، والتي يعتبرها الكثيرون انها حكومة لـ"فتح"، والمنعطف الآخر الخطير التوجه لتهدئة، وهي بلا شك شكل من أشكال المفاوضات والإتفاقات السياسية بعيدا عن السلطة، وتتويج هذا التوجه بقمع الحراك الجماهيرى الأخير في غزة تحت شعار "بدنا نعيش" وتفسيره أيضا بنظرية المؤامرة من "فتح" والسلطة.

لندخل الآن في مرحلة إدارة الأضرار بهدف العودة للمصالحة وإعادة صياغة بناء المنظومة السياسية الفلسطينية بالكامل على أسس من الشرعية السياسية الجديدة وصولا لصياغة مشروع وطني يأخذ في إعتباره كل المعطيات والتحولات السياسية الجديدة، ومرحلة إدارة الأضرار ليست مجرد خطوات أو سياسات صغيرة، بل تعكس أسس وأصول وقواعد أهمها الإعتراف أولا بخطيئة ما حدث، وثانيا تحديد الآليات والأساليب لإدارة وإحتواء الأضرار، وثالثا الحيلولة دون توسيع دائرة الأضرار وتفاقهما، ووضع الضوابط التي تمنع العودة للأزمة، والقيام بمبادرة من الطرفين تعكس حسن النوايا، كأن يتم الإعلان عن رفع كل القرارات والإجراءات من قبل السلطة، وإستعداد الحركة لتمكين الحكومة. وتأتي خطورة هذه التداعيات مع إقتراب "صفقة القرن" التي تعرف حاجة كل طرف للمساعدات الإقتصادية.

ويبقى هل تسطيع الحكومة الفلسطينية المقبلة إدارة الأضرار التي ترتبت على الإنقسام السياسي؟ الواقع يقدم إجابة سريعة: لا.. ما يلوح في الأفق كيان سياسي مستقل في غزة..! وحكومة بصلاحيات أوسع في الضفة الغربية. والسؤال من المسؤول عن ذلك؟

وأنهي بإستيعاب وفهم درس رئيسة وزراء نيوزيلندا في الحيلولة دون إتساع الأزمة والأضرار في أعقاب جريمة المسجدين، كيف احتوت الأضرار وصولا للحل والمحافظة على نيوزيلندا بلدا للتسامح والسلام.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com