2019-04-02

عام على مسيرات العودة.. بداية النهاية أم نهاية البداية؟!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

قبل عام، وتحديدا في الثلاثين من مارس، تاريخ ذكرى "يوم الأرض" بدأت مسيرات العودة التي رفعت شعار "العودة الكبرى"، ولم يكن يتوقع أحد أن تستمر عاما كاملا لتبدأ مسيرة العام الثاني. فالرهان أنها مجرد مسيرة عابرة تنتهي بإحتفالية كبرى كما إعتدنا ذلك كان الخاسر الأكبر. وهذا أول إنجاز يسجل لهذه المسيرات، ولا شك نجحت المسيرات في إرسال رسائل قوية لإسرائيل أولا، وهي المستهدف أساسا من هذه المسيرات. والرسالة يبدو أن إسرائيل قد إستوعبتها حتى الآن وهي ان هذه المسيرات لن تتوقف طالما هناك حصار وإعتداء على الشعب الفلسطيني في غزة، وهذا مهم جدا إدراك الهدف والقدرة على تحقيقه عامل مهم في إلزام إسرائيل.

لقد وصلت إسرائيل لقناعة أن الحرب وقبل ذلك شنت ثلاثة حروب لن توقف هذه المسيرات. ونجحت في أن جعلت من معاناة غزة قضية إهتمام إقليمي ودولي، وهنا يبرز دور مصر الشقيقة الكبرى والحاضنه لغزة تاريخيا بمساعيها المتواصلة للحيلولة دون الحرب، وهذا عامل إضافي يسجل للدور المصري في منع الحرب. وفي الدور الأممي الذي يقوم به ممثل الأمم المتحده ميلادينوف المدعوم بموقف الأمين العام للأمم المتحدة والموقف الأوروبي والذي جعل من غزة قضية مفروضة على الأجندات الإقليمية والدولية.

ولكن وعلى أهمية هذا الاهتمام فقد يكون له جانبا سلبيا، ان يعمق من التوجه الدولي والأمريكي والإسرائيلي في تكريس حالة الإنقسام السياسي وتحولها لحالة سياسية مستقلة، ومن ثم تصبح غزة بحكم خصائصها الجيوسياسية والطبوغرافية والسكانية هي نواة الدولة الفلسطينية التى يمكن التحكم في كل مداخلها..!

وإبتداء ورغم نجاح مسيرات العودة في الإستمرارية لعام كامل ومستهلة عاما ثانيا إلا نقطة الضعف الكبرى، بل القاتلة، أنها تتم في ظل بيئة سياسية فلسطينية منقسمة، فالإنقسام يلقي بكل تداعياته على أي نتيجة لهذه المسيرات.

ولقد ساهمت عوامل كثيرة في نجاح هذه المسيرات، ولعل العامل الأكثر أهمية هو الصفة النضالية التي تتشكل منها الشخصية الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني تحركه هذه الصفة النضالية، وهي ليست قاصرة على غزة بل تمتد أيضا للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية الذي لم يقف ساكنا او صامتا ـ بل قدم العديد من الشهداء، وقام شبابه بالعديد من العمليات ردا على ما يجري في القدس، ومواصلة الإستيطان والإعتقالات والإقتحامات للمدن الفلسطينية. وهذا ما ينبغي للقيادة الفلسطينية أن تدركه وتقدره، وتوفر كل الفرص لأن يعبر هذا الشعب عن رفضه، ولذلك كان من الخطأ الكبير الذي سجل على حركة "حماس" التصدي لمسيرات "بدنا نعيش"، لأني أعتقد أنها جزء من المسيرات الكبرى.
والسبب الثاني في نجاحها حتى الآن توفر الإطار التنظيمي الذي يوجهها، فهنا القرار قرار وطني، وهو ما يوفر لها مرجعية شرعية تستمدها من التوافق الوطني، وهذا الدرس موجه للفصائل، لو كانت المسيرات تابعة لـ"حماس" أو لأي فصيل فقط لكتب لها الفشل.
اما السبب الثالث لنجاحها إبداعاتها في آلياتها وأساليبها، فمن الكاوتشوك للبالونات الحارقة، للدور العسكري للمقاومة المدافع عنها.

رغم هذه النجاحات التي تسجل لمسيرات "العودة الكبرى" لكنها تحتاج للمراجعة النقدية الذاتية دائما حتى لا تفقد بوصلتها وأهدافها الحقيقية.

أولا الأهداف والآليات: لا ينبغي الذهاب بعيدا في أهداف هذه المسيرات، فصحيح أنها تتم تحت هدف "العودة الكبرى"، وهذا الهدف مجرد محفز، فالكل يدرك أن هذا الهدف الإستراتيجي البعيد يفوق قدرات غزة، وقدرات المقاومة فيها، فتحديد الأهداف والتمييز ما بين الأهداف الواقعية القابلة للتنفيذ والأهداف البعيدة مهم ان يكون في إدراك وفهم الجميع، ومن ناحية أخرى عدم الذهاب بعيدا في تصوير المسيرات بان هدفها التحرير وإنهاء الاحتلال، بقدر التأكيد على أن هذه المسيرات هدفها التأكيد على الثوابت الوطنية الفلسطينية والتي تشكل الحد الأدنى لأي حراك سياسي. ومن ناحية ثالثه الآليات والأساليب، فالهدف الأساس للمسيرات الطابع السلمي وهو الذي يمنحها القوة والدعم الدولي، ومن ثم الإنحراف عن هذه الآليات وتحولها لطابع عسكري أو أن تكون وسيلة ومبررا للحرب فهذا من شأنه ان يفشلها ويفقد الدعم الشعبي والدولي. وليكن معلوما ان ما تخشاه إسرائيل الطابع السلمي وليس العسكري. فبالحرب والمواجهة العسكرية ينتهي دور هذه المسيرات.

والأمر الآخر، ينبغي ان تكون المسيرات حافزا للمصالحة وليس الإنفصال، وألا يعني أن هذا الهدف يناقض ويلغي كل الأهداف المعلنة للمسيرات، ولا أريد أن أذهب بعيدا وأقول هو خيانة للهدف الوطني الفلسطيني. ويبقى الإبتعاد عن السيطرة الحزبية الفصائلية لقرار هذه المسيرات أمرا ضروريا. وأخيرا نجاحها بواقعية أهدافها وتحقيق المصالحة الفلسطينية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com