2019-04-11

الفلسطينيون ما بعد الانتخابات الإسرائيلية..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لقد جاءت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية حسب ما كان متوقعا، بل قد فاقت التوقعات بفوز مريح لحزب "الليكود" برئاسة نتنياهو ليضمن أن يحكم لولاية خامسة وليتحول لملك السياسة الإسرائيلية. ولعل الفلسطينيين، وهم الأكثر تأثرا وتضررا بهذه النتيجة، كان لديهم بعض الأمل في أن يفوز خصمه السياسي غانتس كمخرج لهم وبديل للتعامل معه..!

سياسة الأمنيات، والتي ما زالت قائمة، لن تحقق الأهداف الفلسطينية في اصعب المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية. والسؤال هل ينطبق عليهم قول قوم موسى عليه السلام: "إذهب أنت وربك فقاتلا ها هنا نحن قاعدون"؟

لا احد سيقاتل نيابة عن الفلسطينيين، ولا احد سيتخذ قرارات بالنيابة عنهم، ولا احد سيقرر لهم، الكل مشغول ومنهمك في قضاياه الداخلية، الدول العربية كلها منشغلة بقضاياها الداخلية، بل هي لم تفاجأ بفوز نتنياهو الذي لم يعد غريبا على السياسة العربية..! بل ذهبت بعض الدعوات العربية لحاجة إسرائيل أن تطمئن من العملية السلمية..! والولايات المتحدة وإدارة الرئيس ترامب فهي لا تفكر إلا في الفوز لرئاسة ثانية أيا كان الثمن حتى لو كان قرارات ضم جديدة في الضفة الغربية..! وروسيا أيضا منشغلة بقضاياها وتثبيت وجودها في المنطقة، وما قصة تسليم رفات الجندي الإسرائيلي إلا رسالة واضحة على عمق العلاقات بين روسيا وإسرائيل..! وأوروبا منشغلة بمستقبل الإتحاد الأوروبي، ولا تستطيع أن تذهب بعيدا في سياساتها الخارجية بدون الموقف الأمريكي..!

الفلسطينيون وحيدون في مواجهة تداعيات هذه الانتخابات وعودة نتنياهو للحكم لولاية خامسة. والتساؤلات كثيرة: ماذا يعني فوز نتنياهو لولاية خامسة؟ وما هي ابرز القرارات التي قد تتخذها حكومته الجديدة؟ وكيف سيواجه الفلسطينيون هذه الحكومة؟ وما هي أكثر الإستراتيجيات المتاحة؟

لقد حققت هذه الإنتخابات ما يريده نتنياهو بان يكون أول رئيس في تاريخ إسرائيل يحكم لخمس فترات وليتفوق على بن غوريون، وليتحول هنا إلى ملك أكثر منه رئيسا للوزراء، وبالتالي دخوله في مرحلة السادية السياسية والشخصانية المتفوقة على ذاتها. وأول ما سيقوم به هو إصدار قرار بعدم محاكمة رئيس الوزراء طيلة فترة الحكم، وهذا امر ممكن التحقق في ظل حكومة يمينية مريحة. وثالثا ان تركيبة الحكومة وبمشاركة الأحزاب الدينية "الحريدم" يملكون ستة عشرمقعدا: "شاس" ثمانية مقاعد و"يهدوت هتوراه" الحزب الدائم في كل الحكومات ثمانية مقاعد، إلى جانب حزب "كولانو" أربعة مقاعد و"يسرائيل بيتنا" بقيادة ليبرمان خمسة مقاعد، رغم التنبؤ بعدم تجاوزه نسبة الحسم.  يعني ان تكون اكثر تشددا ويمينة بخمسة وستين مقعدا، وهو ما سيجعل نتنياهو أكثر خضوعا لها لأنه يتطلع للبقاء في الحكم دون تهديد من أي منها.. هذا مع تراجع قوة الكتل العربية وحزب "العمل" الذي تحول لحزب صغير، وتراجع قوة اليسار، ليصبح الفلسطينيون بلا يسارفي إسرائيل..! فالتوجه نحو مزيد من السياسات التهويدية، والإسراع في حسم موضوع الدولتين وإزاحته من أي أجندة إسرائيلية، فكل الأحزاب اليمينية لا تريد ان ترى دولة فلسطينية في قلب الضفة الغربية، وكلها ترى في الوطن البديل في الأردن.

وما قد يضيف مزيدا من التحديات والمعيقات فلسطينيا ان هذا الفوز لنتنياهو سيزيد من طموحاته الشخصية، وسيذهب بعيدا في القرارات التي سيتخذها بشأن الآراضي الفلسطينية والسلطة وأيضا تجاه غزة والعلاقة مع "حماس". فهو يطمح أن يقرن إسمه بأنه المؤسس لإسرائيل الكبرى، فإذا كان بن جوريون هو المؤسس لدولة إسرائيل، فنتنياهو يريد ان يشار له بانه مؤسس إسرائيل الكبرى، وفعلا بدأت الخطوات بضم الجولان.

وتحقيقا لهذا الطموح الشخصي الذي لن يسمح للفلسطينيين في الضفة وغزة ان يقفوا في طريقه، سيقوم بإتخاذ قرارات كثيرة وسيساعده فيها حاجة ترامب للفوز بالرئاسة ثانية، ولا ننسى قرب الحملة الرئاسية في أمريكا، ومن هذه القرارات ضم كل المستوطنات، ولن يعود هناك حديث عن مستوطنات غير قانونية، كلها ستكون "قانونية"، وسيقوم بضم الضفة الغربية وخصوصا المنطقة "سي" التي تشكل ما يقارب الثمانين في المائة من الأراضي المخصصة للدولة الفلسطينية، أي الحديث  فقط عن حكم ذاتي فلسطيني على مساحة لا تزيد عن عشرة في المائة..! وسيحسم القضية الأمنية بضم منطقة الأغوار كلها ويخضعها للسيادة الإسرائيلية، وحسم قضية القدس والتي لن يبقى منها إلا ساحة المسجد الأقصى. ولن تكون غزة بعيدة عن هذه السياسات بفرض التهدئة او الذهاب للحرب الواسعة.

هذه القرارت تحتاج لإستراتيجيات واقعية وفاعلة وليست كلامية،  تكون نتائجها ملموسة على الأرض لتكبح جماح الطموح الشخصي لنتنياهو.

لا تكفي إستراتيجيات الإنتظار والمراهنة على الوقت، وإستراتيجية الأمنيات. الحاجة ماسة وضرورية لوضع إستراتيجية لها أهداف واقعية وتقلل من حجم الخسائر، وترتبط بالبقاء الفلسطيني أكثر من بقاء نتنياهو في الحكم من عدمه. فأولا الخيار العسكري، واقصد المقاومة المسلحة مستبعد، والمقاومة السلمية على أهميتها لها محاذير وتخوفات..!

الإستراتيجيات كثيرة منها تفعيل الإستراتيجية الإقليمية قدر الإمكان بتفعيل الدور العربي، وتفعيل إستراتيجية المسؤولية والقانون الدولي والشرعية الدولية، وهذه كلها إستراتيجيات مألوفة، لكن الحاجة لإستراتيجية تنفذ لداخل إسرائيل وتجعل نتنياهو يفكر أكثر من مرة، وهي إستراتيجية تكرار نموذج عرب إسرائيل، إستراتيجية توسيع الحقوق، وأسميها الإستراتيجية المقلوبة، بمعنى كيف نقلب ما تقوم به إسرائيل على داخلها؟ هذه الإستراتيجية هي الأهم والأكثر تأثيرا. ولكنها تحتاج لمزيد من الدراسة والتفاصيل. وللحديث صلة..

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com