2019-06-13

الأردن مفتاح "صفقة القرن"..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

يملك الأردن المفتاح الرئيس لفتح "صفقة القرن"، ومنحها آفاق التنفيذ. وتدرك القيادة الأردنية هذه الحقيقة، وتعي ماذا يعني أن تملك الأردن هذا المفتاح بيدها على مستقبل الأردن السياسي، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية وتسويتها سياسيا.

وتدرك أيضا، وهي الأكثر قربا وبصيرة بأبعاد هذه الصفقة أو التسوية، ليس من اليوم، بل منذ آمد بعيد تهدف أن تكون الأردن هي الحقل لكل العقد والمعيقات التي يواجهها تنفيذ الصفقة. فلا الأموال ولا الشق الإقتصادي، على أهميته، هو مفتاح الحل والتسوية، بل وكل المفاتيح حلها بيد الأردن: الحدود، اللاجئين، القدس، والبديل للدولة الفلسطينية بكونفدرالية أو فيدرالية. ولذلك ليس مستغربا أن تمارس كل الضغوطات على الأردن وبكل الأشكال لتليين موقفه وإبداء المرونة في التعامل مع ما تحمله الصفقة من حلول على حساب الأردن الدولة والسيادة.

ورغم أن الأردن يواجه تحديات إقتصادية كبيرة، فالبطالة تصل إلى 18 في المائة، والفقر إلى 15 في المائة، وديون تبلغ حوالي الثلاثين مليار دولار، هذا إلى جانب الضغوطات السياسية الداخلية، ومن حراك متصاعد، وتحديات إقليمية كبيرة.. فالأرن أكثر تحملا لتداعيات الحرب في سوريا وتدفق مئات آلآف اللاجئين السوريين،  لتتضاعف مشكلة اللاجئين بشقيها السوري والفلسطيني، وهو ليس بعيدا عن موجة التحولات العربية وتداعيات وموجة الإرهاب والعنف التي تسيطر على سماء المنطقة.. ولم تمنع المساعدة الأمريكية المقدرة بنحو مليار ونصف (دولار) من معارضة كل القرارات الأمريكية بشأن القدس وتقليص ووقف مساعداتها لوكالة غوث اللاجئيين، وليعلن الأردن موقفا سياسيا مستقلا.

رغم كل هذه التحديات كان الموقف الأردني الحاسم والقوي والواضح والقاطع للشك باليقين أن لا للتوطين، بكل أشكاله وصوره، ولا للتنازل عن الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى، وأن القدس خطا أحمر، ولا للوطن البديل، وأن فلسطين دولة كما الأردن دولة. هذه اللاءات وهذه السياسة لم تكن مجرد إعلان مواقف، او شعارات، بل كانت لها أهدافها ومراميها السياسية المؤثرة على الإدارة الأمريكية، فريقها الثلاثي لـ"صفقة القرن"، ولا بد وأن تؤخذ بعين الإعتبار من قبلهما بالتعديل أو التأجيل. ولا شك ان هذا الموقف كما ينطلق من مصلحة الأردن العليا، ينطلق أيضا من مصلحة فلسطين العليا.. فالأردن بهذه السياسة الثابتة يحافظ على الحد الأدنى من المصالح الفلسطينية، والمتجسدة في قيام الدولة الفلسطينية، والحفاظ على هوية القدس العربية والإسلامية، وعلى حل عادل لمشكلة اللاجئين، كما جاء في المبادرة العربية.

لقد شاءت الأقدار أن يكون الأردن الأكثر قربا، والأكثر تحملا لعبء القضية الفلسطينية في كل مراحلها، والأكثر تحملا لمسؤولياته الوطنية، والأكثر تضررا من تقلبات القضية الفلسطينية، ولا ابالغ بالقول، الأكثر تحملا لكل الأضرار من السياسات والتحولات الفلسطينية، ومن الصراعات والخلافات الفلسطينية، والأكثر تحملا لوجود القيادة الفلسطينية على ارضه، وليس من باب التذكير وصول العلاقة في بعض مراحلها لمواجهة عسكرية، وفي الوقت ذاته هناك صفحة موقعة الكرامة المشرقة في العلاقة وفي التلاحم الوطني من قبل الجيش الأردنى دفاعا عن القضية الفلسطينية.

وفلسطين ليست مجرد سياسة او موقف في السياسة الأردنية بل هي أحد أهم الثوابت والمحددات للسياسة والأمن القومي الأردني كما المحددات والثوابت الأردنية، لكن تبقى للمصالح الأمنية الأردنية العليا أولوية قصوى، ولذلك الرفض لكل ما تحملة "صفقة القرن" من متطلبات وتنازلات أردنية على حساب الأردن الدولة والشعب والهوية والقيادة. ولا شك أن الأردن لعب دورا مثمرا في كل مراحل القضية الفلسطينية بدءا من مشروع الممكلة المتحدة، وقام بواجباته إزاء الضفة الغربية التي عومل سكانها كأردنيين والتزم بقرار تمثيل منظمة التحرير ممثلا للشعب الفلسطيني، وكان قرار فك الإرتباط مع الضفة الغربية حتى تمنح المنظمة دورها، وما زال الأردن مقرا لمؤسسات منظمة التحرير، وما زالت الممر الطبيعي لدخول القيادة الفلسطينية وخروجها ممثلة بالرئيس محمود عباس.

هذه العلاقات التداخلية والتكاملية والعضوية لا يمكن لأحد تجاهلها في تحديد مسارات العلاقات السياسية الأردنية الفلسطينية، والأردن يدرك حجم هذه المحددات وأهميتها، لكنه يتبنى سياسة عقلانية تمر بمرحلتين: الأولى مرحلة قيام الدولة الفلسطينية، الحل العادل لمشكلة اللاجئين ليس على حساب الأردن، وحسم قضية القدس، وبعد أن تتحقق هذه المرحلة بالكامل يمكن الدخول في المرحلة الثانية من العلاقات بين دولتين مستقلتين تأخذ اشكال متقدمة من التنسيق والتكامل في العلاقات سواء في صورة كونفدرالية أو فيدرالية، المهم إستقلال فلسطين الدولة.

بلا شك يمكن ان يساهم الأردن بإيجابية في حل الكثير من العقد السياسية كالحدود والأمن، بحكم المعاهدة التي تربطه بإسرائيل وبالدور الوطني الذي يمكن أن يقوم به الجيش الأردني.. هذه هي المفاتيح التي بيد الأردن، تحتاج إلى مزيد من التنسيق والتكامل في الموقفين الفلسطيني والأردني، بأعلى درجات التنسيق على مستوى القيادتين.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com