2019-07-04

لا قمم عربية بعد اليوم..!


بقلم: د. هاني العقاد

لم يبيعوا فلسطين ولم يفتحوا افواههم للتحدث عن القضية وتركوا للفلسطينيين حرية الحديث والتمثيل، ولم يعاقبوا الفلسطينيين ولم يطردوهم من مصر، بل استمرت مصر في فتح احضانها لكل الفلسطينيين علي المستوى السياسي والشعبي.. هذا ما حدث بالضبط ابان مفاوضات "كامب ديفيد" التي قادها الرئيس الراحل انور السادات.. لم تتحدث الاتفاقية عن التطبيع وفتح البلاد لليهود يجولوا فيها كما توجههم صهيونيتهم ولم يقبل الشعب المصري حتي ان يأتي الى اسرائيل تحت اي سبب كان.

مازال التطبيع محرما، واي علاقة مع اي من اليهود والاسرائيليين علاقة تعتبر لدى الشارع المصري والعربي خيانة بامتياز. في الحقيقة لا مقارنة بين ما حدث في العام 1979 والذي يحدث اليوم في العالم العربي.. هناك حالة حرب كان يريد الطرفان انهائها، ويعقدوا صلحا تاريخيا محدودا تنسحب اسرائيل بموجبة من كافة الاراضي المصرية المحتلة الى خط رفح - فلسطين الدولي، وهذا ما حدث بالضبط.. لم يجبر أحد الفلسطينيين بالجلوس على طاولة مفاوضات "كامب ديفيد" مع ان الولايات المتحدة الامريكية وجهت لهم الدعوة الا انهم اعتبروا كبقية العرب ان هذا الصلح يضر بالقضية الفلسطينية وثوابتها ولا يجوز التواجد على طاولة المفاوضات في كامب ديفيد تحت اي مسمى كان.

وقعت مصر اتفاقية "كامب ديفيد" التي اعتبرها العرب اتفاقية صلح منفرد مما أثار غضب الشارع العربي من المحيط الي الخليج واتهمت مصر بالتواطؤ مع اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية وتخريب المصالح العربية على رأسها القضية الفلسطينية والأرض العربية المحتلة.. كما اتهمت مصر بالخروج عن الاجماع العربي والخروج عن قرارات القمم العربية في الجزائر 1973 والرباط 1976 في تحريم توقيع اي اتفاق صلح منفرد مع اسرائيل.

قبل ان توقع مصر الاتفاقية بحوالي خمسة أشهر عقد العرب قمة تاريخية في بغداد لانذار مصر من مغبة الاستمرار في صلحها المنفرد مع اسرائيل واتخذوا قرارات مؤلمة وموجعه لمصر اهمها تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي وحركة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الافريقية.. كما قرروا نقل مقر الجامعة العربية وامانتها العامة والمجالس الوزارية المتخصصة من مصر الى تونس.. كما قرروا سحب سفراء الدول العربية من مصر وقطع العلاقات الدبلوماسية والسياسية فورا. بالفعل تم نقل مقر جامعة الدول العربىة وعقد العرب مؤتمرهم الاول دون مصر وخرجت القمة بتوصيات كبيرة باعتبار الصراع مع اسرائيل صراع طويل الامد وهو صراع عسكري وسياسي واقتصادي وحضاري وجدد العرب ادانتهم لاتفاقية كامب ديفيد كما قرر العرب التصدي لاي محاولة لنقل العاصمة الاسرائيلية الى القدس.

مؤتمر المنامة اخطر من اتفاقية "كامب ديفيد" على القضية الفلسطينية واخطر من اتفاقية "وادي عربة" 1995، واخطر من "أوسلو" وكل الاتفاقيات التي وقعت مع اسرائيل حتى الان باعتبارها الخطوة العملية لتحويل الصراع السياسي الى نزاع وقضية انسانية اقتصادية تحل بالمال العربي ومساهمة أوروبية وامريكية رمزية، لكن المفارقة ان اغنى العرب اليوم هم من يحتضنوا كل شيء ويدفعوا لكل شيء تريده الولايات المتحدة ويفتحوا بلادهم للاسرائيليين في موجة تطبيع رسمي غير مسبوقة..! بالرغم من خطورة ما جرى في البحرين وما يبرمج للقضية الفلسطينية، الا ان جامعة الدول العربية في صمت مريب كدت اشك ان لها لسانا كذلك اللسان الذي تحدث به العرب ابان توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد واشك ان جامعة الدول العربية قد تدعو لقمة عربية طارئة لمناقشة احتضان البحرين.. هذا المؤتمر التصفوي وبحث امر يتعلق بالشأن الفلسطيني دون موافقة الفلسطينيين.

هل يدرك العرب الذين حضروا مؤتمر المنامة انهم احدثوا شرخا عميقا في الصف العربي، وتخلوا تماما عن قضيتهم الاولى؟ ولعل هذا الامر بات في اتساع فقد اصبح العرب كتلتين.. وكلاء وموظفين لدى الامريكان لتسويق ما يخططوا من صفقات تفكك الصراع وتغير الخرائط وتسمح بتهويد المقدسات واستباحتها وتقسيمها زمانيا ومكانيا، وكتلة تمانع وتقاطع المخطط الامريكي. هل يدرك العرب انهم خانوا انفسهم وخانوا قضيتهم واضعفوا وحدتهم وجعلوا من جامعتهم العربية مجرد كيان هرم  فاقد للاهلية والقيادة وفاقد القدرة على الدفاع عن قضاياهم المصيرية؟ لا اعتقد ان أحدا يتجرأ على الدعوة لقمة عربية طارئة على خلفية ما حدث في البحرين، ولا اعتقد بالمجمل ان يكون هناك قمم عربية قادمة لانهم لن يستطيعوا تجاهل السقوط والانقسام العربي.. ماذا سيقولون في حق فلسطين والحرب المفروضة عليها اليوم بسبب رفضها حضور مؤتمر المنامة و"صفقة القرن"؟ وكيف سيعللوا وقف تنفيذ شبكة الامان العربية لتعزيز الصمود الفلسطيني وافشال الحصار والضغط الامريكي..!

جامعة الدول العربية امام اختبار تاريخي اما ان تدعو لعقد قمة عاجلة واستثنائية لبحث سبل التصدي لـ"صفقة القرن" والمخطط الامريكي لتغيير خارطة الاقليم الجيوسياسية وتتخذ من الخطوات ما يتناسب مع انهيار حالة الرفض العربي الرسمي للتطبيع وفتح اراضي العرب لقادة اسرائيل وزعماء حربها وقتلة اطفال الفلسطينيين قبل ان ينتهي الاحتلال وبالتالي شطب مبادرة السعودية 2002 وبيروت، واما ان تستمر في حالة التجاهل وصم الاذنين..!

لابد من التساؤل اذا ما تستطيع جامعة الدول العربية الدفاع الآن عن وجودها وميثاقها وقرارات مجالسها وقرارات القمم العربية السابقة وعقد قمة مصيرية لوقف حالة البيع المجاني للشرف العربي؟ لا اعتقد انه في المنظور القريب قمة عربية حقيقية تفرض ذات العقوبات على البحرين كالتي فرضتها في قمة بغداد 1978 على مصر، لان جامعة الدول العربية لن تستطيع الخروج عن هيمنة المستوى الرسمي العربي على سياساتها وتوجهاتها، لذا فان صمت الجامعة على ما يجري من استباحة لقضية الامة صمت يعني انها فقدت الاستقلالية وفقدت القيادة وفقدت الذات القومية..!

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com