2019-07-13

تحدي الوطنية الفلسطينية الأهم


بقلم: عمر حلمي الغول

منذ أُقيمت أول مستعمرة في أرض فلسطين عام 1878 على قرية الخالصة والهوية الوطنية تواجه التحدي. لا سيما وان تلك المستعمرة كانت نواة المشروع الصهيوني، التي تعززت مع إنعقاد مؤتمر بازل بسويسرا 1897، ومن ثم مؤتمر كامبل نبرمان 1905/ 1907، وثم إتفاقية سايكس بيكو 1916، ثم وعد بلفور 1917، والإنتداب البريطاني 1920، والذي ثبت رسميا 1922، وصولا لقرار التقسيم 1947، وإقامة دولة الإستعمار الإسرائيلية في 1948 على أنقاض نكبة الشعب العربي الفلسطيني، التي مزقت وشتت وحدته السياسيةوالإجتماعية والإقتصادية والجغرافية والبيئية، وعمليا إنقسم الشعب إلى ثلاثة تجمعات رئيسية الأول التجمع الذي تجذر في ارض الأباء والأجداد، وبقي داخل الأراضي التي اقيمت عليها دولة الإستعمار الإسرائيلية؛ الثاني التجمع الذي بقي في ارض الأباء والأجداد ايضا، ولكنه إنقسم إلى قسمين، قسم في الضفة الفلسطينية، التي أُلحقت بالمملكة الأردنية، وقسم في قطاع غزة، الذي أُتبع للإدارة المصرية؛ والتجمع الثالث الذي هام على وجهه في دول الدول الطوق العربية والشتات عموما.

كان الهدف من إقامة المشروع الصهيوني وقاعدته المادية، دولة إسرائيل الإستعمارية تصفية وشطب الشعب الفلسطيني من الجيوبوليتك العربي والإقليمي والعالمي، والإبقاء على دولة الإستعمار الإسرائيلية فاقدة الجذور التاريخية، والغريبة عن المحيط العربي والشرق أوسطي عموما، وهي دولة طارئة وفاقدة الأهلية السياسية والأنثربولوجية، أقامها الغرب الرأسمالي لتحقيق أهدافه الإستعمارية في الوطن العربي، وفق قرار مؤتمر كامبل نبرمان، والذي تعزز بوعد بلفور المشؤوم وسيرورته وصيرورته التاريخية، حيث شاء القائمون عليه تغيير خارطة المنطقة عموما، وليس شطب الفلسطينيين فقط.

وما زال الغرب الرأسمالي يواصل حتى اللحظة المعاشة التأصيل لمشروعه الإستعماري على حساب مصالح وحقوق وثوابت وهوية الشعب العربي الفلسطيني، الذي أبى ان يموت، وأَصر على البقاء ممسكا بناصية مشروعه الوطني، رغم جرائم الحرب المتوالية، والمجازر والمذابح الصهيونية على مدار العقود الماضية، وكان هذا هو التحدي الأهم، ومازال يعتبر عنوان التحديات كلها: الإسرائيلية والأميركية والعربية والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ومن هم على شاكلتهم من جماعات الدين السياسي بمختلف تلاوينهم، وهؤلاء إحتياط إستراتيجي للمشروع الغربي الرأسمالي حتى يوم الدنيا هذا.

وتعاظمت قوته، وحضوره الوطني مع تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964، وبإنبثاق شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة مطلع 1965، وبإختراقه الظلام الكثيف لهزيمة حزيران/ يونيو 1967، وحمله مشعل وراية الثورة وظاهرتها العلنية في دول الطوق العربية عموما والأردن خصوصا، وتحقيقه نصرا مؤزرا مع الجيش الأردني في معركة الكرامة 1968، وإنتزاعه الإعتراف بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب العربي الفلسطيني في العام 1974 بفضل التضحيات الجسام، التي قدمتها فصائل الثورة في مختلف الجبهات، ومن ثم تحقيقه إنجازات أممية بإعادة الإعتبار لقضيته، كقضية سياسية بإمتياز، متجاوزا البعد الإنساني، وتخطيه كل حروب التصفية الإسرائيلية والعربية، وأخطرها كان إجتياح حزيران/ يونيو 1982.

كان لمجمل التحولات الدراماتيكية في سيرورة النضال الوطني أثر بالغ الأهمية على الجغرافية السياسية، حتى بات الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي والوحيد حقيقة راسخة ومتجذرة في السياسة العالمية، وليس العربية، أو الإقليمية فقط. ولم يعد لقوة في الأرض تجاوز هويته وشخصيته الوطنية. رغم كل المؤامرت التصفوية، وآخرها صفقة القرن الترامبية المهزومة.

ولا تقتصر قيمة وأهمية إستعادة الهوية الوطنية على تجمع فلسطيني دون الآخر، بل انها شملت الكل الفلسطيني. لإن الفلسطينين رفضوا الفصل التعسفي بين فلسطيني وفلسطيني، وبين تجمع وآخر، وإن كانت قيادة منظمة التحرير تعاملت بجدارة وذكاء مع خصائص كل تجمع. غير ان هذا التباين في الخصوصية، لم يحل دون ان تكون المنظمة الممثلة الشرعية والوحيدة للكل الفلسطيني. وفشلت، وهزمت، وإندحرت كل المشاريع الكرتونية، ورموزها، وعناوينها، وبقيت المنظمة تتربع على رأس الشرعية الوطنية. ولم يفت في عضدها لا مشروع روابط القرى، ولا المملكة المتحدة، ولا حروب الأنظمة العربية ضدها في المخيمات والبقاع والشمال اللبناني، ولا أدواتها، التي إنشقت عن حركة فتح الأم، ولا إنقلاب حركة حماس، ولا حتى من حاولت دولة الإستعمار الإسرائيلية تلميعهم في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل من عملائها الصغار، الذين لفظتهم الجماهير الشعبية الفلسطينية وقواها الحية في كل التجمعات.

ويمكن الجزم ان قيادة المنظمة إستفادت من تباين خصائص التجمعات الفلسطينية. لا سيما وانها مازالت تخوض حتى الآن النضال التحرري لتحقيق الأهداف الوطنية المتفق عليها في برنامج الإجماع الوطني. وتطرق كل ابواب ونوافذ وسبل الكفاح، ومن مختلف الجبهات والساحات لبلوغ الأهداف الوطنية. وإذا سلطنا الضوء على علاقة القيادة الشرعية مع ابناء الشعب العربي الفلسطيني في الجليل والمثلث والنقب، فإننا نلحظ انها تسعى بكل جدارة وتصميم على إحداث إختراق في الشارع الإسرائيلي قدر ما تستطيع مستفيدة من وجود مايزيد على المليون والنصف مليون فلسطيني من حملة الجنسية الإسرائيلية، ومن أنصار السلام اتباع الديانة اليهودية في المجتمع الإسرائيلي. وبذلت القيادة جهودا متواصلة لدعم كفاح أبناء الشعب الفلسطيني في داخل الداخل وصولا لتحقيق أهدافهم السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية والدينية، وحصولهم على المساواة الكاملة. ولكنها لم تحاول فرض رؤيتها عليهم، بل تعاملت مع رؤاهم وبرامجهم بموضوعية، وحرصت على خياراتهم، وحتى في حال وجود تباين في وجهات النظر، كانت تتعامل بمرونة عالية، دون ان يسقط ذلك حقها في التعبير عن رؤيتها، وتقديرها لكيفية الوصول لمصالحهم الوطنية إرتباطا بمصالح الشعب الوطنية العليا، والمتمثلة بتحقيق السلام، وإستقلال دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على اساس القرار الدولي 194.

ويمكن الجزم، ان تشكيل لجنة التواصل الوطني التابعة للمنظمة، كان إنجازا، وشرطا هاما لتعميق الروابط الأخوية بين قيادة المنظمة وأبناء الشعب في داخل دولة إسرائيل الإستعمارية، والتي لعبت دورا هاما في إحداث حراك إيجابي بالمعايير النسبية داخل المجتمع الإسرائيلي لجهة دعم الشخصية الوطنية من خلال إسناد القوى السياسية الفلسطينية في كل المحافل والمنبابر بما في ذلك الكنيست الإسرائيلي، وايضا عبر تعزيز الشراكة السياسية مع كل إسرائيلي يؤمن بخيار السلام، ويرغب بالتعايش، ويسعى لإنهاء وإزالة الإستعمار الإسرائيلي عن أراضي دولة فلسطين المحتلة في الخامس من حزيران 1967. وبالتالي العمل من اجل خلق شراكة إسرائيلية فلسطينية مؤيدة وداعمة للسلام، وتعمل على محاصرة اليمين الصهيوني المتطرف، هو إنجاز لصالح الشعب العربي الفلسطيني في كل تجمعاته وتحديدا في داخل مناطق الـ48.

وعليه فإن محاولات بعض أتباع الدولة الإسرائيلية، واجهزة أمنها الإساءة للقيادة الفلسطينية الشرعية، مردود عليهم، ويكشف خطورتهم على الشارع الفلسطيني، ويضعهم في تناقض مع مصالح الكل الفلسطيني، كونهم مكشوفي الظهر تاريخيا أب عن جد، ومازالوا حتى الآن يشكلون عقبة كأداء في تشكيل القائمة العربية المشتركة، كما فعلوا في الإنتخابات السابقة في التاسع من نيسان/ إبريل 2019.

لذا على من يدعي الحرص على المصالح الوطنية للجماهير الفلسطينية، ان يكون على قدر المسؤولية، ومؤهلا لحمل راية الوطنية، وان ينسجم مع مصالح الشعب كله، وأن يقرأ اللوحة الفلسطينية جيدا وبشمولية، ودون حسابات ضيقة وفئوية وجهوية، وبعيدا عن أجندة دولة الإستعمار الإسرائيلية ومخططاتها الخبيثة التمزيقية لوحدة النسيج الوطني والإجتماعي والثقافي. كانت وستبقى منظمة التحرير الوعاء الحاضن للكل الفلسطيني، والممثل الشرعي والوحيد للشعب كل الشعب العربي الفلسطيني شاء من شاء وأبى من أبى.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com