2019-07-15

"لنستمر بالهجوم" فالتغيير قادم..!


بقلم: بكر أبوبكر

إذا مدحنا قالوا تزلّف، وإذا نقدنا قالوا تجنّح..! وهذه مبالغة بالنظر لدى البعض المتحكم، وعقلية إقصائية أيديولوجية أوسلطوية استبدادية لا نقرها ولا نتفق معها، هكذا افتتحت مداخلتي في المجلس الاستشاري لحركة "فتح" الذي كانت جلساته تسير بين شد وجذب في السياق التنظيمي، ولكن باتفاق سياسي كامل، ودعما لخطوات القيادة في مواجهة المخطط التصفوي الأمريكي.

فقلت أننا في صراعنا وعراكنا الداخلي نسير حذرين على وتر مشدود، لذا فإن المدح أو النقد يكون دوما للمواقف والسياسات والمواقف متغيرة، فقد تمدح موقف ذات الشخص مرة وتنقده مرة أخرى غير منتقص منه شخصيا، بل متفق او مختلف مع مواقفه أو أرائه، وهكذا يكون الحوار وتقبل الاختلاف وليس السير على حد السيف تزلفا أو تجنحا..!

أشرت بالمداخلة للصمود الأسطوري للثورة الفلسطينية وقيادتها في مواقف عديدة كان منها التحدي العرفاتي للرئيس الامريكي "ريغان" وللإرهابي "شارون" عام 1982 في لبنان، فوقع النزال ووقعت المعركة، كما كان الحال مع النزال والمعركة ضد "شارون" ذاته مرة أخرى في الانتفاضة التي أطلقها ياسر عرفات عام 2000 والتي على أثرها حوصر الرئيس الخالد في رام الله، واستشهد كما تمنّى.

في الصمود والثبات في المواجهة والنِزال، وإن اختلفت ساحات المعركة، حقق محمود عباس عام 2012 الاعتراف العالمي بدولة فلسطين عضوا مراقبا في الأمم المتحدة متحديا الإرهاب الأمريكي والصهيوني.

ثم قام بمنازلة وتحدي أمريكا ثانية منذ عام 2018 حتى اليوم في مواجهة صفقة أو أكذوبة العصر، ما يمكننا في ضوء مثل هكذا مواقف سياسية توزعت فيها ميادين النِزال أن نستنتج أن النضال العربي الفلسطيني يتمتع بمواصفات ثلاثة رئيسة أولها: أنه نضال مُلهِم، فالعطاءات والجهود فيه متواصلة لا تنضب، والصمود فيه كما حصل في بيروت ورام الله وجنين وغزة ونابلس والخليل صمود مشهود وعظيم، وفي الإلهام الفلسطيني قدرة على فتح أبواب جديدة للنضال وقدرة على الإبداع، حيث أدخلنا حديثا وبقوة: النضال القانوني، وحرب المجتمع الدولي والمقاطعة للإسرائيلي، وحرب الرواية الصحيحة مقابل الزيف التوراتي الذي يتعلق به نتنياهو تماما كمن يتشبث بحبال الهواء.

نحن فخورون بالتحدي والصمود الشعبي العربي الفلسطيني، ونحتاج للمزيد، وكما قلنا فهو نضال مُلهِم، وهو الى ذلك نضال تاريخي أي أنه حلقات متسلسلة، ويقدم نماذج مختلفة من حرب الشعب طويلة الأمد عبر المقاومة الشعبية -على ضعفها ومحدوديتها حاليا- والمقاومة الدبلوماسية على التركيز المبالغ فيه عليها.

مواصفات النضال الفلسطيني العربي أنه ملهم وتاريخي كما أسلفنا، وأنه ثالثا: مستقبلي أي يمتلك رؤية مستقبلية، إذ لا يمكن أن ترخي أو تتشدد القيادة السياسية في موقف وهي عمياء، فلابد بالحقيقة أن وراء الأكمة ما وراءها، وما وراءها يجب أن تكون رؤية واستراتيجية، والا فإننا تائهون أو منتظرون أو يائسون.

إن ذكرنا أن من عوامل القوى الخارجية الداعمة فترة قيادة ياسر عرفات هو الظهير السوفيتي والحائط العربي الذي مكّنه من السير في حقل الأشواك عامة، ومن الصمود 90 يوما في بيروت كنموذج، فإن القوة الداخلية هي الأصل الذي مكّنه ومكّننا من تثبيت الشخصية الوطنية الفلسطينية النضالية والمستقلة والرحبة، ضمن القطار العربي، فأصبحنا رقما في معادلة الشرق الاوسط كما كان يردد رحمه الله، وما مكننا لاحقا من اشعال فتيل الانتفاضة الكبرى الاولى والثانية.

ولكن أين تكمن اليوم عوامل القوة الخارجية في موقف الرئيس أبو مازن، هذا مع التأكيد الدائم بلا جدال على مراهنتنا الأكيدة على الجماهير العظيمة، وعلى التنظيم وعلى عدالة وشرعية القضية التي تعطي وهجا ينير الدرب للمناضلين، ويطمس عيون المكابرين.. نقول كما قالت العرب: إن وراء الأكمة ما وراءها.

ما وراء الأكمة مما ذكرته في اجتماع المجلس الاستشاري لحركة "فتح" يوم 12/7/2019 رؤية قيادية مستقبلية متفائلة –باعتقادي- في سياقها الداخلي المفهوم بصمود الجماهير والاحتضان الشعبي رغم عوامل التفتت الواجب رأب الصدع فيها، وفي سياقها الخارجي الذي لربما نفهمه في ضوء المعطيات التالية:

أولا: قدم د. علي الجرباوي دراسة عميقة حول الرؤى الاستراتيجية لثلاثي القطبية الدولية (أمريكا وروسيا والصين) من ضمن قراءة عميقة له في استراتيجيات الأمن القومي للدول الثلاث، ليحلّل احتمالات المستقبل بين بقاء قيادة الرأس الواحد أي أمريكا، أو الرأسين، أو الرؤوس المتعددة للنظام الدولي، فيرجّح في ختام بحثه الهام أن القادم هو نظام الرؤوس الثلاثة بالعالم.

ثانيا: في دراسة د. طلال أبو غزالة العميقة للاقتصاد الامريكي والعالمي يقرر أن الانهيار الاقتصادي قادم، وبالبدء من داخل أمريكا وخلال عام قريب، وفي ذلك تحدي وفرص، على العرب استغلالها والتجهز لها منذ الآن حيث سيرتفع برأيه سعر النفط الى 150 دولار، وغير ذلك من معطيات كثيرة، تحتاج من الجميع لرؤية واستباق ولخطة تدخلهم المستقبل برؤى جديدة.

ثالثا: في مناظرة هامة للدكتور نبيل شعث وهو من مفكري الثورة الفلسطينية المرموقين يجادل بقوة وثقة أن النظام العالمي الجديدة في مرحلة إعادة تشكّل، ولن يبقى على حاله القائم برأس واحد أبدا وسيتغير في غضون بضعة سنوات.
يرجع شعث تفاؤله بالتغيير أولا: لثقتنا بشعبنا وصموده الأسطوري المتواصل لـ13مليون فلسطيني في الوطن والخارج، ولأسباب أخرى خارجية أساسها اعتزازنا بأمتنا وانتماءنا لها وفي الساحة الدولية حيث، كما يقول نصا: (أرى فيما يحدث تحولا في عالم القطب الواحد الى عالم متعدد الأقطاب، ولا شك أن أمريكا ستبقى أحد اقطابه، ولكنها لن تبقى الدولة المهيمنة الوحيدة على عالمنا ومستقبلنا).
وبناء على ذلك يقول أنه: (على حكومتنا ومؤسساتنا الانطلاق من هذه الرؤية الجديدة لعالمنا) مؤكدا أن (عالم متعدد الأقطاب هو أكثر أمنا وعدلا بما فيه من توازن القوى وتعدد الاقوياء، هو عالم يحتاج للشرعية الدولية والقانون الدولي لحل مشاكله وليس لفرض حلول الدولة الاقوى والقطب الأوحد).

رابعا: أصدر مجلس الدولة الصيني وثيقته الهامة حول مبادرة "الحزام والطريق" المتعلقة بطريق الحرير الجديد الاستراتيجي للصين الصاعدة قوة دولية، وافتتحت الصين بجامعة عين شمس في مصر، عام 2018 مركز دراسات طريق الحرير كمثال ما يؤشر على الأهمية القصوى للدور الصيني العالمي في البحث وفي الاقتصاد المحمول على السياسة، لا سيما أن الاقتصاد الصيني اقتصاد تصدير بحري وبنسبة تزيد على 90% ولا يرغب الصينيون  أن يحاصَروا من أمريكا بحريا ضمن أي تفكير مستقبلي، فكان طريق الحرير الجديد كتمدد بري اقتصادي وعسكري يغطي 70% من سُكان العالم، بمعنى ان الصين في استراتيجيتها القادمة تظهر قوة رئيسية في العالم بلا أدنى شك، وبامكاننا القياس على ما سبق فيما يتعق بالاتحاد الروسي ولكننا سنكتفي هنا بنموذج الصين.

خامسا: في دراسة لمعهد "راند" الأمريكي عن الصين تحت عنوان (التنين الحذِر) تشير الدراسة للقوة الاقتصادية الصينية الصاعدة التي تراها تتمدد عالميا ولا تتورط بالنزاعات ما يسبب الصداع الكبير لأمريكا والتحدي الأساس.

إذن فإن وراء الأكمة ما وراءها من متغيرات عالمية داهمة، من المرجح أن تقلب النظام الدولي خلال سنوات معدودة رأسا على عقب، في ظل ثبات وصمود وتحدي فلسطيني يجعلنا مملوئين بالفخر، ويحفزنا على الاستمرار والمواجهة، وتمتين رؤيتنا القيادية المتفائلة للمستقبل (غير الأمريكي) و(غير الصهيوني) باذن الله.

مما لا شك فيه أننا أمام مستقبل يَحذَر منه البعض، بل ويتشاءم، ويتفاءل فيه الآخر ومنهم الرئيس أبومازن ما يحتاج منا للتعامل مع ثلاثة عقليات بيننا هي: العقلية التراجعية الانهزامية التي تحاول تصوير أمريكا قوة لا تهزم يجب العودة لأحضانها بأي طريقة وبلا شروط، وعقلية أخرى هي عقلية "المجانين" الذين انطلقوا بالثورة واستمروا وصمدوا وخاضوا النزال والمعارك بكافة أشكالها وهي بالحقيقة عقلية المواجهة، وعقلية النضال، وعقلية الثائر والسياسي معا، فيما تقف العقلية الثالثة وهي العقلية الانتظارية (السلحفائية) تترقب دون أن تفعل شيئا تحت عنوان: لنرى ولا نفعل شيئا، أو ينتظرون كسالى الى أن تحين الساعة، فيقولون: أنظروا ألم نقل لكم..!

حيث أنه في هذا الإطار لنكون فاعلين في أي معادلة فإن علينا مواصلة الهجوم على مختلف الجبهات العربية والعالمية في سياق مواصفاتنا النضالية بالإلهام والتاريخية والرؤية، وعلى الصعيد الداخلي ضمن معطيات عديدة سأركز منها على ثلاثة هنا: هي التنظيم والوحدة الوطنية والمقاومة، وهي باعتقادي الأركان الثلاثة الواجب توفرها لنستطيع أن "نستمر بالهجوم" شعار أمير الشهداء أبوجهاد رحمه الله في الانتفاضة الكبرى الأولى، وليكون التنظيم حضن الجماهير ورأس حربتها بالنضال، والذي لا يكتمل بالتفتت والتشرذم الفصائلي فقطاع غزة ليس ملكا لفصيل كما الحال مع الضفة، وفلسطين تتسع للجميع ما يحتاج لرؤية ملهمة لا حزبية ولا إقليمية، ولا تأتمر بالأجندات الخارجية لنستطيع بالجماهير والتنظيم الواعي وبالوحدة الوطنية ان نُفعّل المقاومة بدلا من أن تظل شعارا هنا وهناك نتغنى به، ونستخدمه فقط بالمساجلات، فالمقاومة تحتاج لخطة وطنية وحدوية شاملة وقرار واستراتيجية ورؤيا متكاملة لتتوسع مكانيا وزمانيا وجماهيريا فتحقق المراد ونسقط المخطط التصفوي فلا ننتظر كما السلحفاة، وإنما نتقدم نحو الحرية والتحرير.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com