2019-07-15

العثور على الذات ... اغتيال الدونية (11)


بقلم: عدنان الصباح

التعليم التلقيني وصنمية النص يصوغان شخصية بليدة جامدة غير قادرة على التفكير المبدع والخلاق وبنفس الدرجة ترفض بطبيعتها اي فرصة للتفكير خارج الصندوق وصنمية النص تقود صاحبها الى صنمية صاحب النص وتقديسه وهو ما وضحته تفصيلا في كتابي " لعرب بين الشخصنة والجتمعة" مفصلا ذلك في الجزء الاول من الكتاب والمعنون بـ"العرب بين شخصنة المسائل ومسألة الشخوص" ذلك ان الصنمية تتأتى اصلا من نظام التعليم التلقيني القائم في نظم التعليم العربية برمتها وكذا من اصرار سيد النص على ترسيخ قداسة النص ليس المقدس فقط بل وكل نص مكتوب وهو ما يقود تدريجيا الى تقديس صاحب النص عبر تقديس نصه والغريب ان صناع نظم التعليم العربية في غالبيتهم خريجي جامعات غربية او انهم اطلعوا عبر دورات ومشاركات وقراءات على الفرق الواضح في النتائج بين نظم التعليم الغربية والنظم العربية.

الصنمية لا تفضي الى القداسة بل الى العبودية بحيث يتحول المقدِس الى عبد للمقدس الشخص مغلفا بنصه وبذا تتحول البلد والمجتمع الى حبيسي الشخص ونصوصه وفتاواه بحيث يصبح ما يقوله او يفعله خاضع للقداسة التي لا تنقض كونه متأتي عن مقدس وتلغى القيم الحقيقية ومخرجاتها كون المدخلات اصلا تأتت عن الشخوص الافراد عن الفعل الجماعي المثبت عبر فعله وتتحول البلد الى مملوكة لصاحبها ويتحول الناس الى مسننات لماكنة الشخص المسير للحياة ويتم التعاطي معه على انه دائم لا يفنى ولا يموت حد نسيان الغد واحتياجاته وتقف الحركة الاجتماعية والاقتصادية والحضارية عند رؤاه شخصيا وما يراه وما يتناغم ومصالحه وقبوله.

الدولة تصبح ملك سيدها وتنتقل الملكية لتصغر بنفس الطريقة بحيث تصبح الاسرة ملك سيدها وكذا المدرسة والمؤسسة ويتم ترتيب اوضاع المؤسسة والاسرة والبلد على مزاج السيد ومصلحة السيد بما يعني ان وجودها كما هي مرهون بوجوده وحال اختفاءه عن المسرح يتم الانكسار التام ويشعر الجميع باليتم ويبدا السعي لصناعة مؤسسة جديدة وفق مقاييس جديدة ورؤى جديدة تتناغم والسيد الجديد وتدور العجلة مرة اخرى بنفس الطريقة وهكذا واي محاولة لقراءة تاريخ اي دولة عربية تجد الاحداث تجري بنفس الوتيرة والاخطر من ذلك هو ادراك ان فقط الانظمة العميقة المتواصلة وهي الانظمة الملكية هي وحدها من استطاعت ان تتواصل دون هزات كبيرة وانقلابات في حين ان اي متابعة لحال البلدان التي انهارت فيها الملكية تجد ان البلد لم تدم على حالها الا بدوام سيدها ومجرد غيابه يعني الانتقال الى انقلاب جديد فلم يكن الانقلاب على الملكية في مصر هو نهاية المطاف بل شكل غياب جمال عبد الناصر المفاجئ وصعود السادات الى السلطة انقلابا جديدا بكل المعايير ونكوصا عن كل ما تم انجازه او احداثه في ظل سلطة عبد الناصر وحلفائه من الضباط العسكريين وجاءت حقبة مبارك لتلغي كليا ما جاء به السادات ولتؤسس لحكم طويل الامد يبقي شخص واحد في السلطة فترة اقتربت من اربعة عقود, ولقد عاش الجميع التغيرات الدراماتيكية في الدول العربية ذات الانظمة الجمهورية والتي لا زالت تأثيراتها متواصلة حتى اليوم في دول مثل ليبيا واليمن والعراق.

غياب الاستقرار وسيطرة الشخصنة على كل مناحي الحياة ومنع بناء فكر نقدي وزرع الخوف من الابداع والسؤال والتفكير خارج الصندوق الى جانب نظم التعليم التلقينية البليدة التي تجعل من نص مضى عليه اكثر من الف عام أهم من انجازات واكتشافات كل علماء الارض كل ذلك يجعل من الذات التي نبحث عنها ذات مرفوضة حتى من اصحابها الأجبن من تحقيق الانتصار عليها ولذا تجد المبدعون فينا يهربون من ذواتهم ليحتموا بذوات من يصفونهم بالأعداء ويتقمصون شخصياتهم ليطلقوا لعقولهم العنان وهم نفسهم حين يعودون الى مجتمعاتهم تجدهم وكأنهم لم يغادروها ابدا ذلك ان غياب الغذاء الروحي في مجتمعات السلعة الميتة تجعل من الحالة الاجتماعية المتخلفة بديلا لغذاء الروح الغائب الذي لا يمكن لاقتصاد المعرفة ان يمنحه الحياة ولا باي حال من الحال ومن هنا يأتي سؤالنا الأهم في البحث عن اقتصاد الروح بديلا لاقتصاد المادة او مصاحبا له في صناعة حياة متكاملة.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة جنين. - ad_palj@yahoo.com