2019-07-19

جهالات سفير أمريكا اليهودي لدى إسرائيل..!


بقلم: د. عبد الستار قاسم

ديفيد فريدمان سفير أمريكا في إسرائيل منبهر جدا بما يسميه التاريخ اليهودي في فلسطين، وهو يؤكد دائما على أن التاريخ اليهودي في فلسطين حقيقي، ويؤكد على حقوق اليهود التاريخية في فلسطين. ويبدو أن قراءته للتاريخ محدودة جدا، وهو يتحصل على معلوماته التاريخية من العهد القديم الذي يسمونه التوراة ومن مؤرخين يهود تغلب عليهم سمة التدين. هؤلاء لا يقرأون التاريخ بطريقة علمية مهنية مستندة إلى وثائق وبينات يمكن التحقق من صحتها، وإنما ينطلقون في كتابة التاريخ من زوايا آيديولوجية دينية لا ثقة بها، وعلى أفضل تقدير، الثقة بها متواضعة جدا. أما العهد القديم الذي يتخذونه مرجعا تاريخيا فلا يعدو كونه كتابا يؤرخ للبشرية على مدى آلاف السنين وفق رؤى شخصية لا علاقة لها بالدراسات الموضوعية، ولا حتى بالدراسات اللاهوتية أو العلمية القائمة على التتبع المادي الموثق لمختلف الحقب التاريخية. وهو كتاب مليء بالتناقضات، وقصصه أسطورية إلى حد كبير، ولا يمكن الأخذ بها كوثائق وبينات حول حقيقة تتابع الحضارات على الأرض الفلسطينية. وعلى رأس التزييف تأتي القصص عن الأنبياء ورب العالمين، إذ تتم الإساءة بصورة مباشرة لعدد من الأنبياء ورب العالمين.

ولا يقل جهل نتنياهو في التاريخ الفلسطيني عن جهل ديفيد فريدمان. بالأمس قال نتنياهو إن  منبع الفلسطينيين من جنوب أوروبا، وطبعا المفروض أن جذورهم هناك. بعض المؤرخين يقولون إن قبائل تدعى بالفلستينية قد أتت من جزيرة "كريت" إلى شرق البحر المتوسط وأقامت في سواحل غزة، وقد اكتسبت الديار اسمها منهم، وأصبحت تعرف مع الزمن بفلسطين. لم تمكث هذه القبائل طويلا في ساحل غزة، وسرعان ما غادرت المنطقة. لكن قدوم هذه القبائل وغيابها لم يؤثر على سكان البلاد المتواجدين أصلا وهم الكنعانيون الذين قدموا إلى البلاد مع الموجات الأمورية سنة حوالي 2500 ق.م. والتوراة التي بين أيدي اليهود الآن تعترف أن الكنعانيين كانوا السباقين إلى هذه البلاد. هذا أمر مكرر في العهد القديم.

وقد فات نتنياهو أن يقول إنه هو وفريدمان من قبائل الخزر التي تهودت في القرن التاسع الميلادي، وإنهما لا علاقة لهما بالجنس السامي والعبرانيين ولا علاقة لهما بفلسطين. إذا كان لهما حق تاريخي فليس هنا في أرض القدس، أرض المسرى والمحشر والمنشر، وعليهما التفتيش عن جذورهما في محيط بحر قزوين.

التسمية الأصلية هي أرض كنعان وهي فلسطين التاريخية. أما فلسطين التي نعرفها الآن فهي فلسطين الانتدابية، أي التي أقامها الاستعمار الفرنسي البريطاني نتيجة محادثات "سايكس بيكو". وفلسطين التاريخية التي تشمل لبنان عدا منطقة طرابلس وكل فلسطين الانتدابية عدا مثلث صغير جنوب النقب وجنوب غرب سوريا الصغرى بما فيها دمشق، وجزء من شمال الأردن بما في ذلك مدينة إربد ونهر الأردن وبحر الملح وجزء من سيناء بما في ذلك العريش. هكذا يقول أطلس إسرائيل المعتمد من قبل الصهاينة كانعكاس للحقائق التاريخية في المنطقة كما يروجون لها هم. وطبعا إسرائيل لا تطالب فقط بأرض فلسطين التاريخية التي يسمونها أرض الميعاد، وإنما تطالب بأرض إسرائيل الكبرى الواردة في أطلس إسرائيل، والمرسومة على القطعة النقدية الإسرائيلية من فئة عشرة آجورات. أرض إسرائيل الكبرى تشمل كل بلاد الشام وغرب الفرات وشرق النيل والجزء الشمالي من شبه الجزيرة العربية بما في ذلك مكة والمدينة. (تفحص أطلس إسرائيل لتتبين طموحات الصهاينة).

يقول ديفيد فريدمان إن الفلسطينيين يريدون سرقة التاريخ اليهودي وسرقة أنبياء اليهود وتحويلهم إلى أنبياء فلسطينيين. هذا كلام مردود عليه ولا يكشف إلا عن جهله بهؤلاء الذين يسمونهم أنبياء ورسلا. نحن لسنا معنيين بـ"داود" الوارد في العهد القديم لأنه شخص زاني ومجرم وقاتل، ولا يتحلى بأي أخلاق فاضلة. إقرأ يا فريدمان ماذا فعل "داود" بزوجة "يوريا" الحثي. القصة توراتية وليست قرآنية، والقرآن يحرم الزنا، ويحرم القتل. داودكم وضع "يوريا" في مقدمة الجيش لكي يموت، ويستفرد بعد ذلك داود بالزوجة. أما سليمانكم فلا يشرفنا أبدا ولا يمكن أن ندعي ملكيتنا له. سليمانكم، وفق نص التوراة، تزوج من 700 امرأة، وكان لديه 300 أخريات من السراري والخليلات. داود وسليمان اللذان نعرفهما ليسا هذين الواردين في العهد القديم. نحن نعرف أنبياء الله الأفاضل المحترمين أصحاب الأخلاق الرفيعة والقدوة الرفيعة.

أما ربكم الوارد في عهدكم فليس إلهنا. ربكم التوراتي مجرم وسفاح وقاتل وعنصري ويكره الناس ويكره نفسه. ربكم يأمر بالقتل حتى الأطفال، ويأمر بقتل الحيوانات وهدم البيوت واقتلاع الأشجار وإحراق المزروعات. إنه رب غريب عجيب. كم من مرة أمر شعبه الوحيد وهم بني إسرائيل بقتل أهل أريحا وأهل عاي، وقتل الشعوب الأخرى التي يسميهم عهدكم بالغرباء؟ هذا رب ليس على مقاسنا، ولا يشرفنا أن نتخذه إلها.

ربنا رب رحيم وعزيز وحكيم وغفور وعظيم. إنه يقيم العدل بتعاليمه، ولا يأمر بالقتل إلا بالحق بهدف إقامة ميزان العدل، وتعالميه الواردة في القرآن الكريم تعاليم خير ومحبة ووئام وسلام وتعاون وبناء. إلهنا لا يعمل بتجارة الأراضي ولا يميز بين شعب وآخر ليعده بالملكية، وإقامة العدل تشمل كل الناس وليس المسلمين فقط، والأرض لله يرثها عباده الصالحون. إلهنا منحاز لصالح المؤمنين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويقسطون وينصفون ويعدلون ومما رزقهم ينفقون. لا توجد فضيلة لدى ربكم، ومن غير المكسب أن ندعي ألوهيته. مبروك عليكم، ونبارك لكم كل الأنبياء الذين تصفونهم بالفاسقين.

وفي النهاية أقول لك يا سيد فريدمان إن أنبياء الله أفاضل، ولا  يمكن لرب العالمين الحقيقي أن يرسل رسولا بأخلاق سيئة منحطة، لكنكم أنتم طالما اعتديتم على الأنبياء وشوهتهم صورهم لأنكم دائما تنكرون أفضال ونعم رب العالمين. وقد خصكم الله بالعديد من الأنبياء ذوي المنبع التربوي الفلسطيني عساكم تعودون عن غيكم وأعمالكم الإجرامية. ما زلتم على ما كنتم عليه. وأكبر دليل على ذلك أن منطقتنا لم تشهد السلام منذ أن قرر الأوروبيون تصديركم إلينا.

* أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية- نابلس. - sattarkassem@hotmail.com