2019-07-20

حكومتان فلسطينيتان بلا ماء..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

أبدأ مقالتي بقوله تعالى: "وجعلنا من الماء كل شيء حي".. الماء مصدر الحياة، والإنسان لا يستطيع ان يعيش بدون ماء، وكم من الناس ماتوا بسبب العطش..

نحن أشبه بمن يحكم في الصحراء التي تعاني من ندرة الماء. والماء الذي أقصده بيد إسرائيل، سواء كان ماء الحياة الذي ينزله الله من السماء وتحتفظ به الأرض في باطنها، وهذه المصادر تتحكم فيها إسرائيل حتى في غزة، او الشكل الثاني من الماء وهو المال والذي تتحكم فيه أيضا إسرائيل بصور شتى مثل مال الضرائب التي تجبيها نيابة عن الفلسطينيين وفقا للإتفاقات الموقعة بعد أن تقتطع نصيبها، او تحكمها في مسارات التجارة والإقتصاد ونظام البنوك..

وتستطيع إسرائيل ان تمنع أي أموال تدخل سواء في الضفة او غزة. والمال له ثمن سياسي كبير رغم النفي الفلسطيني.

الحكومتان في الضفة وفي غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وهى سابقة سياسية لم تعرفها كل حركات التحرر الوطني.. ان تكون لديك حكومة تحت الاحتلال وبإعتراف الاحتلال، فهذا له محددات وتفاهمات سياسية مشتركة، وهذا نقيض لما هو متعارف عليه.. تجاوزا يطلق عليها وصف الحكومة، وأساسا الرئيس عرفات والسلطة فيما بعد تمسكت بمفهوم الحكومة كمدخل للوصول لخيار الدولة المستقلة، على إعتبار ان الدولة لها مكونات ثلاث: الحكومة والشعب والإقليم، والأخير كله تحت الاحتلال، فحدود الحكومة ترسمها إسرائيل في خارطة سياسية تسلم للحكومة او تعرفها مسبقا وفقا للإتفاقات الموقعة. والحكومتان يفصل بينهما حاجز جغرافي تتحكم فيه إسرائيل، فهي من يسمح له بالدخول ومن لا يسمح له بالخروج.

والحكومتان متباعدتان سياسيا، فلكل منهما رؤيتها وحساباتهما السياسية، كل منهما تمثل فصيلا.. واحدة لـ"فتح" برئاستها ووزرائها رغم الغطاء المكشوف لمشاركة بعض الفصائل الفلسطينية الصغيرة، والحكومة في غزة، وإن لم تكن تحمل هذا الإسم مباشرة تنتمي لـ"حماس"..!

المفارقة في الحكومتين: في غزة لا يمكن لـ"حماس" ان تشكل حكومة بهذا الإسم، لأن من شأن ذلك ان يفرض عليها مقاطعة وحصار شامل، ويفرض عليها كذلك متطلبات سياسية كبيرة، والبديل البحث عن مسميات أخرى. والخيارات محدودة.. أما أن تكون حكومة تشارك فيها الفصائل لتصبغ عليها شرعية سياسية قهذا مستبعد تماما. والبديل الحفاظ على حالة الأمر الواقع، من خلال تسميات هي أقرب على شكل الحكومة تحت مسمى لجنة إدارية أو لجنة تنسيقية، وهي تقوم بصلاحيات كل الحكومة الداخلية، وتوزيع المهام واضح الجانب الخارجي منوط بحركة "حماس" ومكتبها، والجانب الداخلي منوط باللجنة الإدارية وأيا كان المسمى فلا يضيف كثيرا.

في الضفة الغربية الحكومة الحقيقية، او التي تحظى بالشرعية الإقليمية والدولية، وهذا هو المهم. فالحكومة في الضفة الغربية هي من تحمل هذا الإسم، وهي من تتعامل مع العالم الخارجي كأي حكومة أخرى، وهي من لها التمثيل الدبلوماسي، فلهذا هي الحكومة الفلسطينية الرسمية التي لا يجوز القفز عليها، ولا احد ينازعها هذا التمثيل، وهذا الحق. وللحكومة الفلسطينية وحدها الحق في إقامة العلاقات والتوقيع على الإتفاقات، والتفاوض مع إسرائيل بشكل مباشر بسبب التداخل في كثير من القضايا وخصوصا القضايا المالية والضرائبية والخدماتية، وهذا غير مسموح به لحكومة غزة، بل هي من تريد ذلك، لأنه يخفف عنها الكثير من الأعباء ويرفع عنها ما يمكن تسميته بالحرج السياسي.

الإشكالية الكبرى هي القدرات المالية المتاحة والممكنة والتي بدونها لا تقدر أي منهما على القيام بواجباتها إزاء الجمهور وفي الأساس أي حكومة هي اقرب للحكومة أو اللجنة الإدارية وهذا حال الواقع الفلسطيني.

الحكومة الفلسطينية وبحكم مسؤوليتها المباشرة والكلية امام مواطنيها فمن حقها جباية المال والضرائب مقابل التوزيع العادل على مكونات الشعب والوطن. وكما نعلم لا ضريبة بدون تمثيل. الأساس في المال أن يأتي عبر تنمية الموارد المالية وعبر سياسات ترشيد وإنفاق تحقق العدالة في التوزيع. اليوم الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية تعاني من أزمة مالية حادة بسبب تحكم إسرائيل في المال الفلسطيني، بل والتحكم كيف ينفق..! وهنا المال يستخدم كوظيفة سياسية لممارسة الضغط على القرار الفلسطيني. والحكومة الفلسطينية عليها كل المسؤوليات امام شعبها من رواتب وتقديم الخدمات الحياتية، وبالمقابل في غزة المشكلة الكبيرة هي مشكلة المال ومن أين يتم إستخراجه، فالوسيلة الوحيدة هي الرسوم والضرائب، وهذا من شأنه أن يثقل كاهل المواطن الفلسطيني. وحتى سياسات الحصار التي تمارسها إسرائيل الهدف منها التحكم في المال ودخوله، وأخيرا المال الذي يأتي من قطر إلى غزة لمواجهة مشكلة الرواتب كله في النهاية الهدف منه الوصول إلى تهدئة شاملة وله بعد سياسي لا يمكن تجاهله.

ولا ننسى المال الذي مصدره الخارج لا يمكن فصله عن العملية السياسية، وكما رأينا في ورشة البحرين والتلويح بالمال كشرط مسبق لفرض السلام الإقتصادي، ومن قبل ممارسة الولايات المتحدة للمال وقطع كل المساعدات عن السلطة الفلسطينية.

الحل الوحيد لهذه الإزدواجية توحيد المال والذي يعتبر مظهر من مظاهر السيادة والسلطة والسيطرة، فالمال في الأصل واحد، وهو ملك للشعب، وبدون التوحد الحكومي والمصالحة سيبقى المال بيد إسرائيل تتحكم فيه، وسيبقى سيفا مسلطا في وجه الحكومتين، وسيفقدهما الكثير من مصداقيتهما السياسية، وسلاح خطير في يد إسرائيل لتثبيت الإنفصال السياسي..!

وأخيرا تحتاج هذه الإشكالية الكبرى مراجعة سياسية وإدارية شاملة، لنتحول على ما يمكن تسميته بالمال الكفاحي الذي يخدم الأهداف السياسية الفلسطينية ويسرع في التحرر وقيام الدولة الفلسطينية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com