2019-07-23

المناضل الفلسطيني القومي العربي الكبير بسّـام الشكعـة.. وداعاً


بقلم: غازي الصوراني

مُنذُ تَفَتَّح وَعيَهُ الوطنيّ في خمسينيات القرنِ الماضي، ومن مدينته العريقه في نضالها الوطني نابلس تَخطّى فقيدنا الراحل بسام الشكعه (أبو نضال) الرؤية الوطنية الفلسطينية في الصراع مع العدو الصهيوني، صوبَ الرؤية القومية للصراع باعتبارها المدخل الثوري الوحيد على طريق النضال من أجل تحرّر فلسطين وإزالة الكيان الصهيوني.. واستناداً إلى هذه الرؤية انصهرت شخصيته بصورة كلية في عملية النضال من أجل بلورة ونهوض المشروع القومي الوحدوي الديمقراطي العربي، ولم ينفصل عنها على الرغم من الجريمة الصهيونية التي أدت إلى بتر ساقيه، بفعل محاولة الاغتيال التي أقدم عليها العدو الصهيوني في حزيران 1980، لكنه لَمْ يَنجَح في بتر أفكاره وإرادته وعزيمته الوطنية والشخصية التي بقيت حاضرة رغم غياب الأقدام، ولَمْ يَحُلْ ذلك دون مواصلة أبو نضال مسيرة النضال، بل جعله متفرغاً بشكل اكبر للخوض في ساحة العمل الوطني والقومي.

وعلى الرغم من تراجع أوضاعه الصحية التي فرضت عليه إقامة جبرية في بيته، لكن إرادته وعزيمته كانت ومازالت أقوى من المرض، حيث استطاع مواصلة رسالته الوطنية والقومية بمساعدة أبناءه وشريكة عمره السيدة أم نضال، الذين لم يحبّوه كأب وزوج مثالي فحسب، بل أيضاً آمنوا برسالته ومبادئه التي كرس جل حياته من اجلها متسلحاً بمناعة ثورية وصلابة مبدئية لم تهزها المتغيرات السياسية التي عصفت بالكثير من الثوابت الوطنية والقومية بعد توقيع اتفاقات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة، ولم تبهره مظاهر سلطة الحكم الذاتي المحدود وأوهامها، وظل على العهد رافضاً لأي شكل من التعامل مع رموزها مندداً ورافضا لاتفاقات اوسلو وما تلاها وبكل سياسات الهبوط التي أودت بقضية شعبنا إلى المأزق الذي نعيشه اليوم، الى جانب رفضه وادانته للانقسام الكارثي في حزيران 2007 ودعوته الى الوحدة الوطنية وفق الثوابت والاهداف التي ناضل وضحى من اجلها شعبنا الفلسطيني، كما ظل أميناً وملتزماً بوفاء لا نظير له لمبادئه القومية والوطنية التي كرس حياته من أجلها.

كنت عرفته عن قرب في عمان في أول لقاء شخصي بعد محاولة الاغتيال عام 1980، بمبادرة من الصديق الكبير شيخ المناضلين الراحل الأستاذ بهجت أبو غريبة.

وبعد توقيع اتفاق أوسلو بتاريخ 13/أيلول/1993 قام المناضل الراحل بهجت أبو غربية بدعوة مجموعة من المثقفين الرافضين للاتفاق، إلى تشكيل تجمع وطني ديمقراطي للنضال من أجل إسقاط أوسلو، وبالفعل تشكلت الهيئة الأولى لهذا التجمع من المناضلين: الراحل أ.بهجت والراحل أ.إبراهيم بكر والراحل أ.شفيق الحوت والراحل د.حيدر عبد الشافي وأ.صالح البرغوثي وغازي الصوراني، وقد بادرنا بالاتصال بأبو نضال الذي وافق دون تردد على المشاركة في تأسيس هذا الإطار.

التقيت معه بعد ذلك في حوار مطوّل في بيت صديقنا المشترك م.عبد الرحمن البيطار، وكانت المسألة الرئيسة عند المناضل بسام: كيف نسعى إلى تقريب المسافات والتواصل في عمل جبهوي موحد بين كافة القوى الوطنية والإسلامية واليسارية الرافضة لأوسلو، وقد ظلَّت هذه الفكرة هاجساً في ذهنه وحواراته السياسية مع أقرانه في نابلس وغزة والضفة وخارج الأرض المحتلة، حيث قام بتأسيس التيار القومي لمقاومة الوجود الامبريالي والصهيوني في بلادنا مع مجموعة من المثقفين والمناضلين.

وها نحن اليوم ننعي المناضل الكبير بسام الشكعة الذي امتلك هيبة نضالية واحتراما وتقديراً ليس في عقولنا وقلوبنا فحسب، بل في عقول وقلوب الأغلبية من أبناء شعبنا عموماً وفصائل وأحزاب الحركات الوطنية والقومية على مساحة الوطن العربي كله.

فقد استطاع المناضل الراحل أبو نضال أن يفرض ويعزز احترامه وتقديره بفعل سجله النضالي الطويل المرصع بالطهارة الثورية والإخلاص الوطني، حتى أصبح اليوم محط إجماع وطني وقومي فلسطيني وعربي.

المناضل بسام الشكعة ليس أول المناضلين، وليس آخرهم، لكنه –كما هو حال العديد من اصدقاءه ورفاقه المناضلين القوميين أمثال الرفيق الراحل جورج حبش وشيخ المناضلين بهجت أبو غربية- كان مثالا حياً في النضال ضد العدو، وقدوة في احتضان المقاومة نهجاً وفكراً بكل ما تحمله الكلمات من تفاصيل ومضامين يعرفها الذين عرفوا فقيدنا الراحل الكبير أبو نضال. تشهد له بذلك جميع فصائل العمل الوطني الفلسطيني، فقد احتضن الرواد الاوائل من المناضلين منذ الشهور الاولى للاحتلال وذلك عبر تأمين عدة أماكن سريه في ريف نابلس وقراها لمعظم ضباط وكوادر جيش التحرير الفلسطيني الذين كُلفوا بتأسيس قوات التحرير الشعبية، الى جانب دعمه وتضامنه مع الحلقات النضاليه الاولى التي أسستها حركة القوميين العرب في الضفة الغربية.

بسام الشكعة.. أبو نضال، صاحب تاريخ نضالي يجب أن تتعرف عليه الأجيال الفلسطينية الشابة، وتتعلم منه ومن ممارساته دروساً وعبر لمسيرتهم الوطنية ضد العدو الصهيوني، ذلك هو حقهم علينا وحقنا عليهم أن يعرفوا هذا المناضل الكبير، فمدرسة الذكور الأساسية التي تحمل اسمه في نابلس تقديراً لدوره النضالي ربما لا تكون أكثر من مبانٍ وصفوف وطلاب ومدرسين، والحقيقة أن بسام مدرسة بذاته لأجيال ناضلت وأخرى تناضل، قاتلت وستقاتل وما زالت تقبض على جمر النضال الوطني والقومي.

أخيراً هذه الكلمات قد لا تفي صديقي العزيز الراحل المناضل الوطني القومي العروبي الديمقراطي أبا نضال حقه كاملا، لكنها شهادة متواضعة بحق أبو نضال المناضل الإنسان الذي سيظل حاضرا في عقول وقلوب كل من عرفه من المناضلين، كما في عقول وقلوب ابناء شعبنا، وفي عقول وقلوب كافة المناضلين في الحركات التحررية الوطنية والقومية العربية على قاعدة التطابق المشترك في الرؤى والمبادئ الوطنية الفلسطينية والعربية من اجل استعادة مشروع النهضة الذي حلم به وضحى من اجله المناضل الكبير الراحل أبو نضال وجسَّده عبر الممارسة طوال حياته حتى لحظة رحيله.. المجد والخلود لروحه وذكراه.. والعهد ان نظل اوفياء للمبادىء التي كرس حياته مناضلا من اجلها.

* كاتب ومفكر فلسطيني- غزة. - cdideology@hotmail.com