2019-07-28

أسباب التحول في إسرائيل..!


بقلم: عمر حلمي الغول

المجتمعات البشرية عامة تعيش بشكل دائم في حراك مستمر ومتواصل، والإنتقال من مرحلة لمرحلة أخرى إرتباطا بالعمليات السياسية والإجتماعية، ووفق سمات وخصائص كل مجتمع. ووفقا لذلك تشهد في مراحل تطورها تحولات كمية وكيفية ما بين مرحلة وأخرى. ولا يوجد مجتمع ساكن، فالتحولات الإجتماعية والإقتصادية والفكرية السياسية القانونية والثقافية والدينية تجري على قدم وساق في كل المجتمعات البشرية بغض عن النظر عن حجم تطورها، وتلك التحولات مرهونة اساسا بالعامل الذاتي، ودعم العامل الموضوعي وتأثيره بهذا القدر أو ذاك على الواقع المعطي.

ورغم أن المجتمع الإسرائيلي، مجتمع مركب، وغير طبيعي في نشوئه وتطوره، غير أن العقود السبع الماضية أَصلت لوجود طبقات وفئات وشرائح إجتماعية، بالإضافة للمركبات الإثنية القائمة فيه، وشهد هذا المجتمع الإستعماري تطورات وتحولات إجتماعية وإقتصادية وسياسية وقانونية ودينية، وكنت مررت عليها في مقالتي السابقة بعنوان "إسرائيل ونتنياهو والحكم"، ولكن لهذة القفزة النوعية أسباباً وعوامل ذاتية وموضوعية، ولم تأت من فراغ، أو فجأة، ومنها الآتي:
اولا الخلفية الفكرية السياسية والإقتصادية للمشروع الصهيوني الإحلالي الإجلائي، حيث قام على ركائز أساسية، منها: شعارات الحركة الصهيونية الناظمة للمشروع الإستعماري "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض" و "أرض الميعاد" و"ارضك ياإسرائيل من النيل إلى الفرات" وعدم تحديد حدود دولة إسرائيل كدولة، وإبقائها مفتوحة، وإعتماد مقولات قادة إسرائيل جميعا من بن غوريون إلى نتنياهو، القائلة "حدود إسرائيل يحددها الجيش بمعاركه وحروبه ضد الفلسطينيين والعرب، وأينما يطأ بسطار الجندي الإسرائيلي تكون حدود إسرائيل الإستعمارية". ثانيا إعتماد القيادات الإسرائيلية على سياسة التدرج، ودحرجة المشروع الصهيوني خطوة خطوة نحو أهدافه الإستراتيجية. وبالتالي القبول بقرار التقسيم الدولي 181، ثم الإنقضاض عليه مباشرة والسيطرة على 78% من أرض فلسطين التاريخية كان الخطوة الأولى. ولم تكن مداهنة الدول العربية والرأي العام الدولي ب"الرغبة بالسلام" سوى مناورة تكتيكية لبلوغ اللحظة السياسية المناسبة للتوسع في أعقاب كل حرب من الحروب، التي خاضها جيش الإستعمار الإسرائيلي؛ ثالثا عدم التقيد بالقرارات والمواثيق والأعراف الدولية، والإلتفاف عليها عبر ذات التكتيك والمناورة السياسية، والعمل بسياسة القضم التدريجي للأرض الفلسطينية العربية؛ رابعا رغم وجود تباين نسبي بين مركبات سياسات ورؤى الأحزاب الإسرائيلية الحاكمة، لكنها جميعها متفقة على بلوغ أهداف المشروع الصهيوني. فحزب العمل الذي قاد دولة إسرائيل من 1948 حتى 1977، لم يختلف في الجوهر عن حزب الليكود، وكلاهما تكاملا في عملية التوسع الإستيطاني الإستعماري، مع ان حزب العمل لبس الثوب "الإشتراكي"، وإعتمد على بناء الكيبوتسات (الكومانات الإشتراكية) في تنفيذ سياسته، وبذلك مارس سياسة التضليل للعديد من دول العالم، وخاصة الإتحاد السوفييتي ودول المنظومة الإشتراكية. لكنه كان يمضي قدما نحو بلوغ الأهداف الإستراتيجية؛ خامسا بعد تولي حزب الليكود دفة القيادة في 1977 حصل تطور نوعي في الإقتصاد الإسرائيلي، حيث نفض يده من شكل الكيبوتسات، وولج سياسة إقتصاد السوق والخصخصة، وتم التزواج ما بين اليمين المتطرف والحريديم، وهذا احدث تحولات إجتماعية وإقتصادية وثقافية ودينية، وأجرى تغييرا جذريا في كل مركبات الدولة الإسرائيلية الإستعمارية، وباتت السياسة الإسرائيلية أكثر وضوحا وجلاءا في تماهيها مع روح وأهداف المشروع الصهيوني. والجميع يتذكر، أن دخول حكومة شامير في تشرين الأول/ إكتوبر 1991 لمؤتمر مدريد للسلام، كان دخولا إجباريا تحت ضغط إدارة بوش الأب آنذاك، لإنه (الليكود) لم يكن يوما مستعدا للشراكة في اية عملية سلام. غير انه شاء بقيادة مناحيم بيغن تحييد الدول العربية وعزلها عن الشعب والقيادة الفلسطينية، عندما وافق على توقيع إتفاقية كامب ديفيد الأولى مع السادات 1978 و1979، لم يكن رغبة منه ببناء جسور السلام. وهذا ما أكده نتنياهو عندما تولى رئاسة أول حكومة له عام 1996، عندما قال، انه سيعمل على تصفية ودفن إتفاقيات أوسلو، وهذا ما فعله، وحصل التطور العاصف خلال تولي بيبي الحكومات الثلاث من 2009 حتى الآن 2019؛ سادسا منذ الخطوة الأولى لنشوء الحركة الصهيونية وتطور مشروعها الكولونيالي في فلسطين، كان الغرب الإستعماري سندا قويا لتطور وتحول المشروع الإستعماري، ولم يكن ممكنا التوسع الإسرائيلي إلآ بفضل دعم وإسناد الغرب الإستعماري، وأساسا كان وجود إسرائيل في فلسطين والوطن العربي فكرة الإستعمار الغربي وبشكل أدق مؤتمر كامبل نبرمان 1905/ 1907، ثم إتفاقية سايكس بيكو 1916، وتلاها وعد بلفور المشؤوم 1917، وصولا إلى إدارة ترامب الأميركية الحالية، التي أخذت تخوض الحرب مباشرة مع إسرائيل الإستعمارية لتصفية القضية الفلسطينية،  وفتحت الأبواب على مصاريعها أمام نتنياهو وإئتلافه اليميني المتطرف لتشريع عملية السيطرة الكلية على فلسطين التاريخية، وسن قانون "القومية الأساس للدولة اليهودية" في تموز / يوليو 2018، الذي اماط اللثام كليا عن خيار إسرائيل الإستعماري، والتقدم بخطى حثيثة لبناء "دولة إسرائيل الكاملة" على أرض فلسطين التاريخية؛ سابعا تراجع وإنكفاء العامل العربي الرسمي بشكل خطير، ساهم مساهمة مباشرة في وصول إسرائيل والصراع معها إلى ما نعيشه الأن 2019. حيث لم يكن ممكنا لإسرائيل، ولا للولايات المتحدة الأميركية اللجوء إلى ملاحقة ومطاردة القضية والمشروع الوطني الفلسطيني لو كان هناك موقف عربي مغاير لما هو موجود حاليا.

هذة هي الأسباب الذاتية والموضوعية للتحولات النوعية في المجتمع والدولة الإسرائيلية الإستعمارية. ولم أتوقف امام غياب ما يطلق عليه "اليسار" أو الوسط الإسرائيلي، لإنه كان، هو صاحب الباع الطويل في بناء ركائز المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية. مع ذلك هذا لا يسقط حق العمل في وسط المجتمع الإسرائيلي لإحداث أية تحولات ممكنة، لا سيما وان التحولات النوعية زمن الليكود أضرت بالطبقات والشرائح والفئات الإجتماعية، كما انه عمق النزعات العنصرية العميقة بين مكونات وإثنايات المجتمع الإسرائيلي، وآخرها العنصرية المكشوفة ضد يهود الفالاشا الإثيوبيين نهاية الشهر الماضي ومطلع الشهر الحالي.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com